اخبار سوريا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٨ حزيران ٢٠٢٦
ازدياد مؤشرات التضخم وانخفاض القدرة الشرائية
تتسع دائرة الجدل في الشارع السوري حول واقع سلم الرواتب والأجور للعاملين بالدولة لا سيما مع برنامج عمل الحكومة لإصلاحه، وتحسين المستوى المعيشي لبلاد خرجت من حرب قاسية ألحقت ضرراً باقتصادها وبنيتها التحتية، في موازاة ازدياد مؤشرات التضخم وانخفاض القدرة الشرائية، لكن أكثر ما يثير الدهشة ما يدور عن وجود نظامين للرواتب في كل مؤسسة أحدهما يدفع الأجور بقيمة الليرة السورية والآخر بالدولار الأميركي.
وبدأت حكاية أجور العاملين بالدولة تأخذ منحى تصاعدياً بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 حين وصلت كوادر جديدة معظمها من قيادات حكومة الإنقاذ السورية (حكومة تكنوقراط تأسست عام 2017 بمبادرة مدنية، مقرها في محافظة إدلب)، وتعاقدت تلك الوزارات والمؤسسات العامة مع هذه الكوادر التي غالبيتها من عنصر الشباب، وبرواتب لا تقل عن 300 دولار أميركي، في حين يبلغ راتب الموظف الحكومي القديم نحو 100 دولار.
في السياق قال الباحث الاقتصادي آدم خوري إن الفروق الكبيرة بين موظف يتقاضى راتبه بالدولار وآخر بالليرة السورية تنعكس على المستويين المعيشي والنفسي، 'والأهم أنها تنعكس أيضاً على شعور الموظف بالإنصاف والانتماء'، وأضاف 'عندما يشعر الموظف أن عمله لا يحقق الحد الأدنى من الاستقرار المالي، ويتقاضى راتبه بالليرة السورية مقارنة بزميله، بالمستوى الوظيفي ذاته أو ربما بمستوى أدنى، ويتقاضى راتبه بالدولار الأميركي وبفارق يصل أحياناً إلى أضعاف مضاعفة، مما سيؤدي إلى تراجع الحافز والإنتاج تلقائياً وفتح باب للفساد، باعتقادي أيضاً أن أثر الفجوة النفسية غالباً يكون أكبر من أثر الفجوة المالية نفسها'.
وما زاد الجدل اتساعاً، إلى جانب التفاوت بالرواتب في المؤسسة الواحدة، ما يسمى 'الزيادة النوعية'.
ونص المرسوم رقم 68 على أن الزيادة الأخيرة لقطاعات محددة مقتصرة على العاملين بوزارات الأوقاف والتعليم والتربية والأوقاف إضافة إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي.
وارتفعت حدة الجدل ليس فقط حول العدالة الوظيفية الغائبة بل حول المساواة والعدالة ومراعاة طبيعة العمل أو أعوام الخدمة والمؤهلات العلمية، إذ أقر المرسوم نفسه الصادر في الـ10 من مايو (أيار) إضافة 50 في المئة إلى الرواتب الثابتة.
وتركت 'الزيادة النوعية' أثراً سلبياً في الموظفين في الوزارات ممن لم تشملهم.
وقالت الموظفة رحاب سلامة 'يجب أن تشمل الزيادة النوعية الموظف النوعي، وهو العامل المجتهد في مجاله وتخصصه، هذه الزيادة تركت تأثيراً طبقياً واجتماعياً بأن بقية التخصصات ليست نوعية، وغير مهمة، فيما الأجدى أن تشمل الزيادة جميع الموظفين بخاصة مع واقع معيشي وغلاء فاق حدود التصور، من المهم تفعيل الحوافز داخل كل مؤسسة'.
من ناحيته، رأى الباحث الاقتصادي خوري أن خطوة رفع الرواتب لقطاع التعليم والصحة أمر إيجابي وخطوة في المسار الصحيح في حال ترافقت مع خطة اقتصادية واضحة، 'ومن حق أي قطاع يعاني صعوبات أن يحصل على دعم استثنائي، خصوصاً في التعليم والصحة لأنهما يمسان حياة الناس مباشرة'، وتابع 'لكن المشكلة ليست في منح الزيادة لهذه القطاعات، بل في غياب رؤية واضحة لبقية الموظفين بقطاعات أخرى الذين يواجهون الظروف المعيشية نفسها، لأن العدالة لا تعني المساواة الكاملة، لكنها تتطلب أن يشعر الجميع بأنهم جزء من الحل'.
وسط هذه الأجواء تسعى الحكومة السورية إلى رفع الأجور، ورفعت الرواتب بنسبة 200 في المئة عام 2025، وألحقتها بزيادة أخرى بنسبة 50 في المئة العام الحالي.
وتحدث وزير المالية محمد يسر برنية، في تصريح حول سياسة الأجور عام 2027، واعتمادها على ربط الزيادات بمؤشرات غلاء المعيشة، ومعدلات التضخم، و'تغير مؤشر أسعار المستهلك ضمن توجه حكومي يضع تحسين المستوى المعيشي في صدارة الأولويات'، وقال أيضاً 'منظومة الرواتب ستتضمن زيادتين سنويتين، الأولى عامة مرتبطة بكلفة المعيشة، والثانية تعتمد على تقييم أداء الموظف ضمن نظام جديد يجرى العمل عليه في وزارة التنمية الإدارية'.
وتحدث الأكاديمي والمتخصص في شؤون الإدارة وريادة الأعمال عبدالرحيم الصالح، في حديث خاص، عن تحسن بسلم الرواتب في المؤسسات العامة و'ارتفعت أخيراً بزيادة وصفت بالنوعية لقطاعات منها التعليم والصحة، وهذا أمر إيجابي على رغم نهش موجات الغلاء كل زيادة راتب تحدث'، ولفت النظر إلى أهمية توحيد الرواتب، 'وهذا الأمر مرتبط بقانون للعاملين بالدولة يدرسه ويقره مجلس الشعب، ويكون هذا القانون متطوراً وحديثاً'، وأضاف 'وجود نظامين لدفع الرواتب العامة سببه وصول موظفين سابقين يتقاضون رواتبهم من حكومة الإنقاذ خلال أعوام الثورة بالدولار الأميركي، مما خلق في المؤسسة ذاتها حال تذمر وتململ مع مرور أكثر من عام، وللأمر أخطار كونه يولد عدم ثقة باتجاه الدولة، إضافة إلى خسارة المؤسسات الكفاءات البشرية المتخصصة'.
ورأى مراقبون أن ما يحدث يمثل تشويهاً لهيكلة الرواتب فضلاً عن منح الموظفين الجدد أماكن وظيفية ومهام ومسؤوليات للعناصر الجديدة بصورة تهمش الخبرات بذريعة إقصاء كل من اعتمد عليه النظام السابق مما خلق إحباطاً لدى الكوادر القديمة.
وقال موظف حكومي في إحدى البلديات فضل عدم الكشف عن هويته 'أعمل في مؤسسة تقدم خدمات للمواطنين، وزميل جديد لي يؤدي المهام والمسؤوليات ذاتها ويتقاضى راتباً أضعاف ما أتقاضاه، أين العدالة في هذا الأمر؟ وتدور أحاديث بين زملائي: هل هذه عقوبة لنا لأننا لم ننشق عن النظام البائد؟ كنا نؤدي ما يخدم المواطن، وليس بمقدور كل فرد الهرب إلى الشمال، أو اللجوء إلى تركيا أو أوروبا، لا يمكن للجميع أن يهربوا'.
في المقابل، قال موظف حكومي من الموظفين الجدد فضل أيضاً عدم كشف هويته 'من المجدي أن تتوحد الرواتب، صحيح راتبي يفوق راتب الموظف القديم وبالعملة الأجنبية، لكن لا بد من معرفة أمر مهم، أنني لست مثبتاً في عملي، وهذا التعاقد فيه كثير من المزايا الإيجابية والسلبية أيضاً، فقد يتم الاستغناء عني بسهولة، من دون راتب تقاعدي، أنا مع قانون يساوي الجميع'.
وسط هذه الأجواء تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الصراعات التي شهدتها البلاد على ما يقارب 14 عاماً، أدت إلى تضرر نحو ثلث رصيد رأس المال في سوريا، فضلاً عن أضرار مادية مباشرة في البنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية تقدر بنحو 108 مليارات دولار، في وقت قدر البنك كلف إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، وكل هذا يحدث وسط حال ركود وضعف إنتاج تعم البلاد.




































































