اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٢٦ أب ٢٠٢٦
في عالمٍ تتصدر فيه أخبار الحروب والنزاعات نشرات الأخبار، تبدو بعض الدول وكأنها تعيش خارج هذا الزمن المضطرب. دول مثل آيسلندا ونيوزيلندا وسويسرا، استطاعت أن تجعل السلام والاستقرار قاعدةً في حياتها السياسية والاجتماعية، لا استثناءً مؤقتاً. بعضها ساعدته الجغرافيا، وبعضها عرف في تاريخه نزاعات ثم تجاوزها، لكن القاسم المشترك بينها أن الدولة أصبحت أقوى من الانقسامات الداخلية، وأن المواطن بات ينتمي إلى وطنه قبل انتمائه إلى جماعته.
وهنا يطرح السؤال نفسه بالنسبة إلى لبنان: لماذا يبدو هذا البلد الصغير وكأنه يعيش دائماً على حافة حرب؟ وهل السبب في جغرافيته، أم في تعدد طوائفه، أم في نظامه السياسي، أم أن المشكلة أعمق من ذلك كله؟
لا شك أن الجغرافيا اللبنانية ليست بريئة تماماً. فلبنان يقع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، على شاطئ شرق المتوسط، بين سوريا وإسرائيل، وقريباً من خطوط الصراع العربي–الإسرائيلي ومن تنافس القوى الإقليمية والدولية. ومنذ نشوء لبنان الكبير، لم يكن البلد بعيداً عن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، بل كان في كثير من الأحيان في قلب تداعياتها.
لكن الجغرافيا، مهما كانت قاسية، لا تصنع الحرب وحدها. فهناك دول صغيرة تقع في بيئات استراتيجية معقدة، ومع ذلك استطاعت حماية استقرارها. وهناك دول متعددة الأعراق والأديان واللغات، كسويسرا مثلاً، لم يتحول تنوعها إلى حروب متكررة.
لذلك فإن السؤال الأدق ليس: لماذا لبنان متنوع؟ بل لماذا يتحول التنوع اللبناني، في لحظات الأزمات، إلى انقسام سياسي قابل للاشتعال؟
لبنان يعترف بثماني عشرة طائفة، وقد قام نظامه السياسي الحديث على صيغة لتقاسم السلطة بينها. وكان الهدف الأساسي من هذه الصيغة حماية الجماعات المختلفة ومنع استئثار جماعة واحدة بالدولة. لكن ما كان يفترض أن يكون ضمانة للتعايش تحول تدريجياً إلى آلية لتقاسم السلطة والنفوذ والوظائف والموارد.
إذن، ليست الطوائف في ذاتها هي المشكلة. فالتنوع قد يكون مصدر غنى ثقافي وحضاري هائل. المشكلة تبدأ عندما تتحول الطائفة من هوية اجتماعية أو دينية إلى وحدة سياسية تتقدم على الدولة، وعندما يشعر المواطن أن حقوقه تأتيه من زعيم طائفته لا من مؤسسات وطنه.
والمفارقة أن اللبنانيين اتفقوا منذ أكثر من ثلاثة عقود على الطريق الذي ينبغي سلوكه. فاتفاق الطائف نص صراحة على أن «إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي»، ودعا إلى اعتماد الكفاءة والاختصاص بدلاً من قاعدة التمثيل الطائفي في الوظائف العامة، كما نص على انتخاب مجلس نيابي على أساس وطني غير طائفي وإنشاء مجلس للشيوخ تتمثل فيه العائلات الروحية في القضايا المصيرية.
لكن الجزء الأصعب من الطائف بقي، إلى حد كبير، مشروعاً مؤجلاً.
وهنا ربما تكمن المشكلة اللبنانية الحقيقية: لبنان ليس بحاجة إلى إلغاء تنوعه، بل إلى إخراج هذا التنوع من الصراع على الدولة. المطلوب ليس أن يتخلى اللبناني عن طائفته أو دينه أو ثقافته، وإنما ألا تكون الطائفة هي الطريق الإلزامي إلى الوظيفة والنيابة والوزارة والإدارة والحماية الاجتماعية.
أما العامل الثاني فهو ضعف الدولة أمام القوى الداخلية والخارجية. فالدول المستقرة ليست بالضرورة الدول التي لا تختلف شعوبها، بل الدول التي تمتلك مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف. عندما تكون مؤسسات الدولة صاحبة القرار، ويحتكر الجيش والقوى الشرعية السلاح، ويكون القضاء مستقلاً، وتخضع القرارات السياسية للدستور والقانون، تصبح الخلافات السياسية خلافات داخل الدولة، لا صراعات على الدولة.
العامل الثالث هو الاقتصاد والعدالة الاجتماعية. فالدولة التي تمنح مواطنيها تعليماً جيداً، وفرص عمل، وضماناً اجتماعياً، وقضاءً عادلاً، تجعلهم أقل اعتماداً على الطائفة والزعيم والحزب. أما حين تضعف مؤسسات الدولة، تصبح القوى السياسية والطائفية بديلاً عنها في التعليم والصحة والعمل والخدمات، فيزداد ارتباط المواطن بها وتضعف علاقته بالدولة.
ولعل أهم ما ينقص لبنان هو بناء مفهوم المواطنة المشتركة. فالطفل اللبناني يتعلم تاريخ جماعته بسهولة، لكنه لا يجد دائماً رواية وطنية موحدة لتاريخ بلاده. وما زال اللبنانيون يختلفون في قراءة محطات أساسية من تاريخهم الحديث، وكأن لكل جماعة ذاكرتها وحربها وشهداءها وانتصاراتها وهزائمها. ولا يمكن بناء سلام دائم إذا بقي الماضي يعيش داخل الحاضر من دون مصالحة تاريخية حقيقية.
هل يستطيع لبنان أن يصبح بلداً آمناً ومستقراً كالدول الأكثر سلاماً؟
نعم، ولكن ليس بتغيير جغرافيته، فهذا مستحيل، ولا بإلغاء طوائفه، فهذا ليس مطلوباً. ما يحتاجه هو تغيير العلاقة بين الجغرافيا والطائفة والدولة.
الجغرافيا تصبح خطراً عندما تكون الدولة ضعيفة أمام الخارج. والطائفية تصبح خطراً عندما تتحول من تنوع اجتماعي إلى نظام لتوزيع السلطة. والتدخل الخارجي يصبح أكثر قدرة على التأثير عندما يجد في الداخل جماعات تستقوي به على جماعات أخرى.
لذلك فإن طريق لبنان إلى السلام يمكن اختصاره بمعادلة بسيطة: دولة أقوى، مواطنة أوسع، طائفية سياسية أضيق، قضاء مستقل، مؤسسات فعالة، وسياسة خارجية تحمي لبنان من أن يتحول إلى ساحة لتصفية صراعات الآخرين.
لبنان ليس محكوماً بالحرب بسبب موقعه، ولا لأن أبناءه ينتمون إلى طوائف متعددة. المشكلة أن هذا البلد لم ينجح بعد في تحويل تعدده من توازن بين جماعات خائفة بعضها من بعض، إلى شراكة بين مواطنين يثقون بدولة واحدة.
وعندما يصبح اللبناني مطمئناً إلى أن الدولة تحميه بصرف النظر عن طائفته، وأن القانون يعطيه حقه من دون واسطة، وأن مستقبله لا يتوقف على زعيم أو حزب، عندها فقط تبدأ رحلة لبنان الحقيقية نحو السلام.
فالدول لا تنعم بالسلام لأنها محظوظة دائماً بجغرافيتها أو بتاريخها، بل لأنها بنت مؤسسات قادرة على منع خلافاتها من التحول إلى حروب. ولبنان، رغم كل ما مرّ به، ليس محكوماً بأن يبقى ساحة للصراعات، إذا استطاع أن ينتقل من منطق التسويات المؤقتة إلى منطق الدولة الدائمة.
لكن تبقى أسئلة لا يمكن القفز فوقها:
أسئلة أطرحها هنا، لا لأقدّم لها إجابات نهائية، بل لأفتح من خلالها باباً لنقاش أوسع حول مستقبل لبنان والدولة التي نريد.
وفي المقال المقبل، أترك هذه الأسئلة أمام المحامي الدكتور زكريا الغول، ليقاربها من زاويته، ويستكمل النقاش حول السؤال الذي يبقى مفتوحاً أمامنا جميعاً:
أيُّ لبنان نريد… وأيُّ دولة تستطيع أن تحميه؟











































































