اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٢٣ أب ٢٠٢٦
خاص الهديل الإخبارية…
بقلم: ناصر شرارة
'يبدو أن الأتراك عائدون'.. تسود هذه العبارة في الكثير من كواليس صناع القرار في العالم، وبخاصة في منطقتي شرق آسيا والشرق الأوسط..
بعد هزيمتها المدوية في الحرب العالمية الثانية وخضوعها لاتفاق استسلام صارم؛ تنهض تركيا من تحت رمادها كما يفعل طائر الفينيق.. ولكن حكماءها ينصحون بأنه هذه المرة يجب أن تتحسب تركيا من إمكانية أن يواجهها أعداء جدد أكثر شراسة من أولئك الذين هزموها خلال الحرب الكونية الثانية..
مراجعة تركيا لتاريخها، وبخاصة منذ بدايات القرن الماضي حتى اليوم؛ تقول عدة أمور استراتيجية تفسر للمراقب ما هي عقد وعِبر تركيا التاريخية التي ستوجه تفكيرها ونظرتها لما يجب أن تفعله خلال الفترة المقبلة:
العبرة الأولى وليس بالضرورة الأساسية تتعلق بكيف اتخذت تركيا قراراتها بشأن دخولها الحرب العالمية؛ آنذاك لم تكن تركيا تريد الاصطفاف مع محور ألمانيا وإيطاليا واليابان؛ ولكن بريطانيا رفضت انضمام تركيا لحلفها لأنها كانت ترى فيها دولة ضعيفة وفضلت لندن حينها روسيا القوية على الإمبراطورية العثمانية المتهالكة.
هذه الواقعة علمت تركيا درساً يقول إن القرار أو الخيار الاستراتيجي حينما يكون دولياً ومصيرياً لا يتم انتقاؤه من قبلك، بل من قبل الدول القوية التي تبحث عن حلفاء أقوياء..
العبرة الثانية وهي استكمال للأولى تفيد بأن تركيا اليوم عليها أن تدقق بمدى قوتها حتى تضمن بأن اللعبة الدولية الجديدة ستتحالف معها، ولن تتجاهلها، ولن تفرض عليها أن تكون بجانب قوى ودول ذاهبة للهزيمة؛ بمعنى آخر فإن تركيا تتعامل مع العالم الجديد المتشكل الآن بتوجيه من عقدة تجربتها في الحرب العالمية الثانية التي أدت بها في نهاية المطاف لتصبح الرجل المريض الذي تقاسمت ثروته الدول الرابحة في الحرب الكونية.
.. كل هذه التفاعلات داخل العقل التركي تقود أنقرة إلى التريث في ربط سياساتها بسياسات أوروبا القارة الهرمة؛ وبدل ذلك تتطلع أنقرة أكثر كي تكون 'حليفاً مستقلاً لأميركا'.. ولا شك أن تعبير 'حليف مستقل' هو مصطلح جديد في القاموس السياسي التقليدي؛ حيث حلفاء الدول الكبرى يكونون بأحسن الأحوال تابعين مع ترك هوامش حرية صغيرة لهم؛ ولكن فكرة أن تكون الدولة الأقل قوة مستقلة عن حليفها الأكثر قوة؛ هو أمر يبدو مستبعداً ومستغرباً. غير أن الجديد على هذا الصعيد هو أن الجيل الجديد من الحروب أنتج (من الحرب الأوكرانية إلى الهندية الباكستانية وصولاً للإيرانية) أنتج دوراً لافتاً للدول الوسطى أي الدول التي لها سمة أنها فوق الإقليمية ودون العالمية.. وهذه الدول تمتاز قوتها الصاعدة بأنها تملك ترسانة علاقات إضافة لترسانة نفوذ وأسلحة. وظهرت باكستان كنموذج عن هذه الدول خلال حرب أميركا – إيران؛ وبرزت تركيا كنموذج ثان عن هذه الدول الوسطى خلال الحرب الروسية – الأوكرانية. وأهمية هذه الدول أنها حليف مستقل للدول الكبرى وأن لديها علاقات متوازية مع الأقطاب المتنافسة أو حتى المتحاربة.
وضمن هذا التوصيف تكون تركيا تستعد اليوم لاستكمال دور مهم كانت بدأته منذ سنوات ولكنها الآن تستعد لقيادة نموذج عالمي جديد هو الدول الوسطى وأهميتها كقوة توازن واستقرار داخل إقليمها من جهة، وفي صياغة علاقة إقليمها مع الدول الكبرى والمحاور المسيطرة من جهة ثانية.
العبرة الثالثة التي تواجه إيران تتعلق بما يصفه الإعلام بأنه حالة صراع بينها وبين إسرائيل على سورية أو على النفوذ في المنطقة..
وهنا يجدر تصحيح أخطاء شائعة: فتركيا تحتاج أن تبدو على صراع مع إسرائيل؛ وتركيا تحتاج حصراً لأن يتم تظهير هذا الصراع في الإعلام وليس في الميدان؛ لأن واقع الحال يقول إنه ليس هناك ميدان للحرب بين تركيا واسرائيل بل هناك ميدان واسع للتسويات بينهما؛ وسورية واحدة من ميادين التسوية؛ والطاقة في شرق المتوسط هي ميدان آخر أهم للتسوية بينهما. وكذلك أذربيجان في القوقاز، الخ.. والواقع أن تركيا وإسرائيل تخسران من المواجهة ويربحان من التسوية بينهما.. غير أن تركيا لا تستطيع أن ترث ثروة إيران في المشرق وفي العالم الإسلامي، إلا إذا ثار غبار معارك لا يتم إطلاق نار فيها، مع إسرائيل؛ والكاتب الكبير محمد حسنين هيكل وصف الاحتكاك التركي الإسرائيلي على أنه يشبه المؤثرات الصوتية داخل أعمال الدراما..
الواقع أن التاريخ يطير إلى أنقرة في هذه اللحظة رسالة أساسية تفيد بأن تركيا هي إمبراطورية متجددة ويجب عليها توخي الحذر الاستراتيجي في عالم جديد قد يشبه في كثير من ظروفه العالم الذي كان يتشكل عشية الحرب العالمية الثانية!!.











































































