اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
قد لا تكون إيران بصدد توسيع دائرة الضغط على خصومها بقدر ما تكون بصدد توسيع دائرة الخطر على نفسها؛ فإشعال هرمز وتهديد باب المندب ليس بالضرورة استعراضاً للقوة، بل قد يكون أقصر الطرق إلى انتحار استراتيجي لا تستطيع طهران التحكم في نهايته، فحين تتحول الممرات البحرية إلى رهائن في صراع إقليمي مفتوح، لا يعود التصعيد ورقة ضغط مضمونة النتائج، بل مقامرة بمصالح المنطقة واستقرارها، قد تجمع الخصوم في مواجهة واحدة، وتفتح جبهات تتجاوز قدرة من أشعلها على الاحتواء. والخطأ الأكبر في حسابات القوة هو الاعتقاد بأن القدرة على تفجير الأزمات تعني امتلاك القدرة على إدارة تداعياتها.
إن التزامن بين التوتر في مضيق هرمز والتهديدات المحتملة في باب المندب يضع أمن الطاقة والملاحة الدولية أمام مخاطر مضاعفة. فالممرات البحرية ليست أوراق ضغط يمكن العبث بها بلا ثمن؛ إنها شرايين للتجارة العالمية، وأي تهديد جدي لها ينعكس على اقتصادات الدول وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. ومن يعتقد أن استخدام هذه الشرايين أداةً للضغط يمنحه تفوقاً استراتيجياً، قد يكتشف أنه يوسع دائرة المتضررين، ويستدعي استجابة دولية أشد، ويدفع المنطقة إلى مستوى من التصعيد لا يملك وحده تحديد سقفه أو نهايته.
وتبدو السعودية من أكثر الأطراف التي قد تواجه تداعيات هذا المسار إذا امتدت التهديدات إلى أراضيها أو منشآتها الحيوية، بالتزامن مع مخاطر البحر الأحمر. فالمملكة معنية بحماية أمنها الوطني ومصالحها الاستراتيجية، ومنع تحويل محيطها إلى ساحة استنزاف دائمة. وأي تصعيد من هذا النوع لا يضع الرياض أمام تحديات أمنية فحسب، بل يهدد أيضاً استقرار المنطقة ومصالح الدول المرتبطة بأمن الملاحة والتجارة.
أما الولايات المتحدة، فإن توسيع التهديدات إلى أكثر من ممر بحري يرفع كلفة إدارة المواجهة، لكنه لا يضمن أن يؤدي إلى تراجعها. بل قد يدفع واشنطن وشركاءها إلى توسيع التنسيق الدفاعي، وتشديد إجراءات حماية الملاحة، واعتماد خيارات أكثر حزماً. وهنا تتجلى خطورة الحسابات الإيرانية إذا قامت على افتراض أن خصومها سيتراجعون تحت ضغط تعدد الجبهات؛ فقد تكون النتيجة عكسية، بحيث يتحول التشتيت المؤقت إلى اصطفاف أوسع في مواجهتها.
والأخطر أن إشعال الجبهات لا يضمن السيطرة على مساراتها. فالأطراف التي تبدأ التصعيد قد تفقد القدرة على احتوائه، والحلفاء الذين يُستدعون إلى المواجهة قد يوسعونها بقرارات مستقلة، فيما يمكن لأي ضربة أو حادث في أحد الممرات أن يشعل سلسلة من الردود المتبادلة. عندها، لن تكون المسألة مجرد تبادل رسائل عسكرية، بل احتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة تتجاوز حسابات من أشعلوها، وتفرض أثماناً على شعوب ودول لم تختر الحرب.
هنا يصبح الرهان على توسيع الجبهات أقرب إلى مقامرة بالاستقرار الإقليمي، وقد يتحول إلى انتحار استراتيجي إذا اعتقدت طهران أن قدرتها على إشعال الأزمات تعني قدرتها على التحكم بنتائجها. فالقوة ليست في امتلاك أدوات التصعيد وحدها، بل في إدراك حدود استخدامها، والتمييز بين الضغط الذي يحقق مكاسب محددة والتصعيد الذي يستدعي رداً واسعاً ويقوض المصالح التي يفترض أن يحميها.
إن المنطقة لا تحتاج إلى مضيق إضافي مهدد، ولا إلى جبهة جديدة تضاف إلى سجل الأزمات المفتوحة. وإذا كان المقصود من التصعيد فرض معادلة ردع، فقد ينتهي إلى نتيجة معاكسة: تآكل فرص التسوية، وتوسيع دائرة الخصوم، ورفع كلفة المواجهة على الجميع، وفي مقدمتهم الطرف الذي يعتقد أن إشعال الجبهات يمنحه أفضلية.
فالخطر الحقيقي على إيران ليس أن تعجز عن فتح جبهة جديدة، بل أن تنجح في فتحها ثم تعجز عن إغلاقها. وبين هرمز وباب المندب، قد يكون الفارق بين المناورة الاستراتيجية والخطأ القاتل هو القدرة على إدراك أن المنطقة ليست ساحة يمكن إشعالها على مراحل، وأن النار التي تُستخدم للضغط على الخصوم قد ترتد على من أشعلها، وتدفع الجميع نحو مواجهة لا يملك أحد ضمان نهايتها.

























































