اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
كتب ناصر قنديل في البناء
– منذ حرب تموز 2006، يتواصل الرهان الأميركي على إضعاف المقاومة داخل بيئتها الشعبية، بالتوازي مع محاصرة سلاحها ومصادر قوتها. ففي شهادته أمام مجلس الشيوخ في الثامن من حزيران 2010، ربط جيفري فيلتمان برامج المساعدات الأميركية بتقليص جاذبية حزب الله لدى الشباب، وذكر إنفاق أكثر من 500 مليون دولار لهذه الجهود منذ عام 2006. كان الهدف السياسي معلناً: تغيير العلاقة بين المقاومة وجمهورها، وإنتاج خيارات تجذب هذا الجمهور بعيداً عنها. وما يجري اليوم هو تجديد لهذا الرهان تحت ضغط الخسائر التي خلفتها الحروب.
– لم يبقَ استهداف البيئة عنواناً عاماً؛ ففي ورقة بعنوان «قبضة حزب الله على لبنان تضعف: كيف تستطيع واشنطن المساعدة؟»، حدّد معهد واشنطن الشيعة بوصفهم الجمهور الأهم لبناء ائتلاف مناهض للحزب، وتحدث عن تعزيز البدائل السياسية داخل مجتمعهم. وكتبت حنين غدار في مقال «الشيعة في مواجهة الهلال الشيعي» أن استمرار التدهور الاقتصادي وعجز إيران عن تقديم المساعدة سيؤديان إلى خسارة الحزب معظم قاعدة دعمه. هكذا تبلورت معادلة تراهن على تحويل الضائقة الاجتماعية إلى انفصال سياسي، وعلى تحويل الانفصال إلى قوة تواجه المقاومة من داخل بيئتها.
– ثم قدم نتنياهو الصيغة العسكرية للرهان نفسه؛ ففي رسالته المصوّرة في الثامن من تشرين الأول 2024، خاطب المسيحيين والدروز والمسلمين، السنة والشيعة، محمّلاً حزب الله مسؤولية معاناتهم، وداعياً اللبنانيين إلى استعادة بلدهم لتجنب دمار شبيه بغزة. لم يترك الشيعة خارج دعوته؛ إذ خاطبهم بالاسم بوصفهم جمهوراً يُراد دفعه إلى مواجهة الحزب. تلتقي هنا البرامج السياسية والاقتصادية مع الحرب: تحميل المقاومة مسؤولية الأذى الذي تلحقه “إسرائيل” بالناس، ثم تقديم التخلص من هذه المقاومة طريقاً وحيداً لإنهاء هذا الأذى.
– كشفت انتخابات 2022 الفارق بين بناء صورة البديل وبناء تمثيله؛ إذ إنه رغم تأثير اعتماد النظام النسبي بعد الانهيار الاقتصادي واحتجاجات 2019 وانفجار المرفأ – وكلها كانت عوامل مساعدة – احتفظ حزب الله وحركة أمل بالمقاعد الشيعية السبعة والعشرين. وهذه واقعة أثبتها تقرير الخارجية الأميركية عن لبنان؛ حيث استطاعت القوى المناوئة تغيير التوازن النيابي على الصعيد الوطني، لكنها لم تحول ذلك إلى اختراق نيابي داخل البيئة الشيعية. فالظهور المتكرر على الشاشات، والعلاقات مع العواصم والإمكانات المالية، عناصر لا تمنح أصحابها تلقائياً القدرة على انتزاع ثقة مجتمع يمتلك ذاكرة سياسية وتجربة طويلة مع الاحتلال.
– اليوم تُستثمر ظروف أكثر قسوة لتجديد المحاولة؛ فالتهجير ودمار المساكن وخسارة الأبناء والأزواج والأرزاق تمنح خطاب اتهام المقاومة مادة يومية. ويُقال للناس إن الردع فشل، والحماية سقطت، والتحرير فوق الطاقة، وإن عليهم الانتقال إلى مشروع آخر. لكن ما يفوت هذا الخطاب هو السؤال الذي يسبق تغيير الخيار: ماذا يستطيع المشروع الآخر أن ينجز؟ فالجنوبي يعرف خسائره ولا يحتاج إلى من يشرحها له، بل يحتاج إلى جواب عن استعادة أرضه، ووقف الاعتداء على بيته، وتأمين عودة لا تتحكم بها الطائرات والدبابات الإسرائيلية.
– يقوم البديل على ثلاثية واشنطن والخليج والسلطة المحلية، فيصبح اتفاق الإطار امتحان مصداقيته. تعثر الانسحاب والعودة لا يضعف المقاومة تلقائياً، بل يطعن في قدرة أصحاب الوعد الجديد على الوفاء به. وهذا ما ظهر في مقال مستشار الرئيس جوزاف عون، جان عزيز، المنشور في السادس عشر من أيلول بعنوان «لا تدعوا اتفاق السلام في لبنان يثبت أن حزب الله كان على حق»؛ فقد عرض تعثر مفاوضات روما، وحذر من أن الاتفاق قد يعيد إنتاج الظروف التي تمنح رواية المقاومة قوتها.
– أما سورية فتقدم الاختبار الذي لا تستطيع هذه الثلاثية الهروب منه. هناك سلطة حظيت بالدعم السعودي والانفتاح الأميركي، وساهمت الرياض في ترتيب لقاء أحمد الشرع ودونالد ترامب في أيار 2025. وهناك مفاوضات أمنية مع “إسرائيل” برعاية واشنطن لا تتوقف على نزع سلاح مقاومة غير موجود وسلاح جرى تدميره عبر 1000 غارة إسرائيلية على كل مخازن ومستودعات الجيش السوري بموافقة السلطة الجديدة. وقد حددت دمشق مطلبها المباشر بالانسحاب من الأراضي المحتلة بعد الثامن من كانون الأول 2024 والعودة إلى ترتيبات اتفاق 1974، بما يعني عدم اعتبار بقاء احتلال الجولان السوري عائقاً أمام الاتفاق. ومع ذلك، بقي الاحتلال وتواصل العدوان ووصل إلى العاصمة وتمادى حتى الحدود السورية التركية، دون أن تنفع تعويذة العلاقة بواشنطن وأنقرة والرياض بمنعه، ودون أن يشكل غياب سلاح يسبب إزعاجاً للاحتلال سبباً للنجاة.
– تكمن قوة الامتحان السوري في أنه يختبر الوعد بعد إسقاط الذريعة التي تُرفع في لبنان. إذا كانت واشنطن تستطيع إلزام “إسرائيل”، والخليج يستطيع تحويل نفوذه إلى حماية، والسلطة المتعاونة تسهل استعادة الأرض، فأين النتيجة؟ لماذا تستمر الاعتداءات ويتأخر الانسحاب حيث لا يوجد سلاح المقاومة اللبنانية؟ وكيف يصبح السلاح سبب الاحتلال في لبنان، بينما يبقى الاحتلال قائماً في سورية من دونه؟ هنا ينتقل النقاش من الاتهام إلى الإثبات، ومن مطالبة الجنوبي بالتضحية بقوته إلى مطالبة أصحاب البديل بإظهار قدرة رعاتهم.
– لهذا لا تستطيع الأموال والمنابر والمؤتمرات أن تسد الفراغ في برنامج التحرير والحماية. للمقاومة في وعي جمهورها واقعة تحرير سابقة، وللبديل وعد يحتاج إلى دليل. ومن يريد نقل هذا الجمهور إلى مظلته، عليه أن يثبت أن تلك المظلة تستعيد أرضاً وتحمي شعباً. «سورية بيننا وبينكم» يقول لكم الجنوب، قدموا هناك ما تعدون به هنا. وحتى تفعلوا، سيبقى مشروعكم بطلب نزع السلاح تحت الاحتلال مجرد صدى لصوت الاحتلال، ولن تمنح الاستقبالات الدولية الأحصنة السياسية التي يجري إسراجها بدناً صالحاً للسباق.











































































