اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٧ شباط ٢٠٢٦
سيظلّ مساء الأربعاء (4/2/2026) يحفر في عمق كفرمتى، سيظلّ يحفر في عمق بيروت، سيظلّ يحفر في أعماق طرابلس والشمال والبقاع والجبل والجنوب.. لا يجد متّسعا لقامة عملاقة تُسجّى: أدبا وشعرا وموقفا وفكرا.
هو الشاعر المير طارق آل ناصر الدين، الذي هَوَى كما العملاق، طوى أوراقه، أوراق عمره كلها، فهوت فوقه الأشعار، غطّت وجهه الضاحك كطفل، وراحت تغزل قصائدها، راحت تغزل له عباءة الإمارة.
ومن أحرى منه أن يرتدي عباءة العروبة و الشعر، يسجّى بها كما يسجّى الملوك في الرحيل الأخير.
المير طارق دوحة الشعر في لبنان، ودوحة العروبة أيضا.
كفّان من حبر وشعر، وحب يملأ القلب، يشعل مساكب الورد.
ذات مساء، كانت كفرمتى على موعد معه، أودعته ما أودعته، وأودعها ما أودعها.
وودّعته تماما مثلما تودّع الأمراء.
حارس الشعر هو المير طارق آل ناصر الدين، أم حارس العروبة الأخير، لا فرق عنده بين العروبة والشعر، بين الشعر والعروبة، يصدح بلبنانهما طائره غدا، تماما مثلما ظلّ دهره يصدح بهما.
رقّت لهما حواشيه، حتى كانت الينابيع كلها تنبجس بين كفيه. يسقي أقنوم العروبة، ثم إذ ينعطف، يسقي أقنوم الشعر، مرة بقلمه الناحل، ومرة أخرى بجسده المبرح، لِمَ لا!
سقّاء العروبة والشعر وحارسهما معا، كان المير طارق آل ناصر الدين في حياته وفي مماته. جميع الذين مضوا، رحلوا إلى راحتهم، أما المير طارق، فمضى إلى غايته، في الأعماق، في الأغوار، في الوجدان، يهدر بالعروبة وبالشعر، كما النيل. أليس هو من ظل دهره، يجري النيل في لبنان، وما جفت يداه؟!
متعبا بالحياة جرى، يحثّ الخطى إلى الضفة الأخرى.
وبين الضفتين، تسجّى همزة وصل بين ما كان وما سيكون.
همّه واحد: فرح العروبة والشعر، في كل عصر وفي كل مصر. أصاب المير وأخطأنا كلنا.
ربما بعد اليوم يلاقينا، يلوّح لنا بيديه، بأعلامه كلها، وينبجس في برهة توأماه: العروبة والشعر في وجهنا. يعفر بيننا عطفيه، فينهل علينا غمامة تمضي، وغمامة تجيء، وتنبسط الأرض كلها ورودا وأزهارا وعرائش وأكمام حبق.
تقول كفرمتى لنا: سيظلّ المير يروي التلال والحقول من ينابيع لا تنضب، فتخضل السلال بما حملت وما تحمل..
وجه مير تجلّى، حين تسجّى، بين نيلين: العروبة والشعر.
حارس العروبة الأخير هو، في زمانه كله.
وهو أيضا حارس الشعر الأخير، ليس إلّا!
وكفاه بذلك اليوم، فخرا.
أستاذ في الجامعة اللبنانية











































































