اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ١٠ أذار ٢٠٢٦
كتب العميد الركن خالد حماده…
اختارت طهران استراتيجية الهروب إلى الأمام في خضم مواجهتها الشاملة مع واشنطن وتل أبيب بتوسيع دائرة الحرب نحو دول الجوار كافة. أطلق الحرس الثوري الإيراني آلاف الهجمات بالصواريخ البالستية والمسيّرات في كل اتّجاه مستهدفاً المدن الخليجية والمنشآت الإقتصادية والبنى التحتية في محاولة واضحة لكسر المأزق وإعادة تشكيل ميزان القوى، وترجمة واضحة لموروث تاريخي لم تقوَ ولاية الفقيه على الإنتصار عليه، بل صقلته بمذهبية متطرفة رسمت سياساتها المتوترة مع دول الجوار والعالم. شاء الحرس الثوري ضمّ لبنان إلى ساحة الإشتباك الرئيسية فكان له ما أراد. نفذ حزب الله أو ما تبقى منه إملاءات طهران واضعاً لبنان قسراً في محور طهران إزاء مواجهة غير متكافئة في لحظة إقليمية هي الأخطر منذ تشكل المنطقة في مطلع القرن المنصرم.
تراهن طهران على أن تتقدّم المخاطر الإقتصادية العالمية – الناجمة عن تداعيات أي هجوم على مصادر الطاقة في دول الخليج العربي – على سائر الأسباب التي أدّت إلى اندلاع الحرب. فكلما اتّسعت هذه التداعيات، تحوّلت الحرب من نزاع إقليمي إلى مسألة استقرار إقتصادي عالمي، تفضي إلى تنامي الضغوط لوقفها. وهذا يقتضي الى إطالة أمد الحرب إلى أطول مدة ممكنة. وتراهن طهران كذلك من خلال إنخراط حزب الله في الحرب، على تكرار الإستراتيجية التي اعتمدتها عام 2006 اللهروب من مأزق تسليم السلاح الذي أقرته طاولة الحوار الوطني تحت عنوان الاستراتيجية الدفاعية. فقد دفع الحرس الثوري الإيراني بالحزب إلى المواجهة مع إسرائيل لتعطيل قرار الحكومة الصادر في 2 آذار /مارس الجاري، والقاضي بحظر أنشطته وملاحقة مرتكبيها أمام القضاء، وتكليف قيادة الجيش استخدام جميع الوسائل الكفيلة بتنفيذ الخطة التي عرضها المجلس في جلسة 16 فبراير/شباط الماضي والمتعلقة بحصر السلاح شمال نهر الليطاني.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة سلسلة الإرتكابات المتنقلة التي نُسبت إلى الحزب ـــ ومنها إطلاق النار على مواطنين في منطقة عين الرمانة، وقيام مجموعة من عناصره بإطلاق صاروخ من بلدة القليعة بما أدى إلى قصفها من قبل الجيش الإسرائيلي ومقتل كاهن البلدة وجرح عدد من الأهالي ـــ بوصفها تذكيراً بنمط السلوك الذي سبق أن تجلّى في أحداث 7 أيار 2008 في لبنان، حين جرى تهديد السلم الأهلي لتجاوز مقتضيات قرار مجلس الأمن 1701. كما يمكن قراءة الترويج لحشود سورية على الحدود الشرقية، أو الحديث عن اختراقات إسرائيلية عبرها، في سياق استحضار الأدوار التي اضطلع بها الحزب بعد عام 2006 في سوريا تحت عنوان مكافحة الإرهاب.
أظهرت الاختراقات التي أعقبت إطلاق الصواريخ من قبل حزب الله هشاشة الإجراءات المتخذة منذ آب/أغسطس الماضي، وميلاً للعودة إلى سياسة الإستيعاب والإحتواء التي سادت سابقاً. كما كشفت استهدافات عناصر الحرس الثوري الإيراني في فنادق الحازمية والروشة، بعد استهدافهم في البقاع، عن ثغرات كبيرة في المنظومة الأمنية اللبنانية، لا سيما بعد ثبوت استخدامهم وثائق مزورة وانتشار عناصر الحزب أمنياً من دون إجراءات رادعة من قبل الأجهزة الأمنية. أما القشة التي قسمت ظهر البعير فكانت في إطلاق المحكمة العسكرية سراح ثلاثة من عناصر الحزب، بعد توقيفهم من قبل الجيش اللبناني لحيازتهم أسلحة صاروخية وذخائر مختلفة مقابل كفالة مالية خلافاً للقانون، مما يؤكد المضي في تجاهل قرار الحكومة وتكريس مؤشرات العودة إلى نمط «الدولة العميقة» بما يعنيه من تهميش للمؤسسات وإخضاع مزمن للسلطة التنفيذية برمّتها للقرار الأمني.
في سابقة لم تُسجَّل منذ عقود، سجّل جوزاف عون موقفًا لافتًا أعاد فيه التأكيد على مرجعية الدولة بهدف إعادة الأمور إلى نصابها، إذ اعتبر أن ما يقوم به حزب الله يندرج في إطار حملة شعبوية تُبرَّر بادعاء عجز الدولة عن حماية شعبها، مؤكّدًا أن إطلاق الصواريخ يخدم حسابات النظام الإيراني عبر استدراج الجيش الإسرائيلي إلى التوغّل داخل لبنان واحتلال أراضيه. كما شدّد عون على أن قرار الحكومة الصادر في 2 آذار لا رجوع عنه، مرفقًا موقفه بمبادرة من أربع نقاط تقضي بمصادرة سلاح الحزب ومخازنه ومستودعاته وبدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية.
شكَلت مواقف عون عبوراً صريحاً من موقعه الرمادي لملاقاة المخاطر المحدقة بلبنان بكل مسؤولية وتماهياً مع ما أجمعت عليه الحكومة من إجراءات. هذا وقد تزامنت هذه المواقف بتأكيد الحكومة على مسؤولياتها الدستورية والقانونية، إذ أحال وزير العدل عادل نصار القاضي المدني المنتدب في المحكمة العسكرية عباس جحا إلى القضاء للتحقيق معه على خلفية إخلاء سبيل 3 عناصر من 'حزب الله'، كما استدعى رئيس الحكومة إلى مكتبه وزير الدفاع الوطني وقائد الجيش لإتخاذ الإجراءات المناسبة بحق المسؤولين عن إفراج المحكمة العسكرية عن موقوفي حزب الله خلافاً للقانون، والتلكؤ في تنفيذ قرار مجلس الوزراء الصادر في الثاني من الشهر الجاري.
قد يكون في قرار رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية ما يكفي من شجاعة الموقف لإحداث صدمة إيجابية لدى المجتمع الدولي ومواجهة طهران، لكن التحدي الأكبر يبقى في الإصرار على الإنتصار على موروثات الدولة العميقة في لبنان.











































































