اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
تقرير - شهاب
بعد 21 عامًا على إخلاء أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية المحتلة ضمن خطة «فك الارتباط»، يعود المستوطنون إلى مواقعهم السابقة في محيط جنين، لكن هذه المرة ضمن خريطة أوسع تضم مستوطنات جديدة وطرقًا عسكرية ومعسكرات، بما يهدد بعزل عشرات القرى عن المدينة ومحيطها.
ففي صيف 2005، أُخليت مستوطنات «غانيم» و«كاديم» شرق جنين، و«حومش» و«سانور» جنوبها، بالتزامن مع الانسحاب من قطاع غزة. وفلسطينيًا، بدا الإخلاء آنذاك وكأنه يفتح ممرًا جغرافيًا بين جنين وقراها.
لكن في 13 آب/أغسطس 2026، انتقلت نحو 30 عائلة من المستوطنين للإقامة في موقع «غانيم» شرق جنين، ونُصبت عشرات الكرفانات، إلى جانب فرع لمعاهد «بني دافيد» الدينية المرتبطة بتيار الصهيونية الدينية. وبعد نحو أسبوعين، تكرر المشهد في مستوطنة «كاديم» المجاورة، مع انتقال عدد مماثل من العائلات.
من أربع مستوطنات إلى خريطة أوسع
لم تعد العودة مقتصرة على إعادة إحياء المستوطنات الأربع التي أُخليت عام 2005. فقد أعلن وزير المالية في حكومة الاحتلال والوزير في وزارة الأمن بتسلئيل سموتريتش أن الحكومة تعمل خلال الصيف على إقامة 11 مستوطنة جديدة في شمال الضفة، على أن يصل العدد إلى 18 مستوطنة، بعدما كان أربعًا.
كما زعم رئيس ما يسمى مجلس مستوطنات شمال الضفة يوسي دغان أن «غانيم» ستصبح أكبر بعشرة أضعاف مما كانت عليه سابقًا.
وتشير بيانات منظمة «السلام الآن» إلى مسار أوسع، إذ قالت إن المجلس الوزاري المصغر للاحتلال أقر في 25 آذار/مارس 2026 إقامة 34 مستوطنة جديدة في الضفة، بينها خمسة مواقع في محافظة جنين، هي «ألوني شومرون» و«روم جلبواع» و«عيمق دوتان» و«معيانوت» و«نوعا»، مشيرة إلى أن القرار لم يُنشر رسميًا.
وفي تموز/يوليو الماضي، أضيفت مستوطنة «شانور شرق» جنوب جنين، في موقع قاعدة عسكرية سابقة، ليرتفع عدد المستوطنات التي أقرتها حكومة الاحتلال الحالية إلى 104، وفق المنظمة.
لكن التطور الأبرز لا يتعلق بعدد المستوطنات وحده، بل بالطرق التي يجري شقها لربط هذه المواقع ببعضها. فقد وقّع قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال آفي بلوت 15 أمر استيلاء على نحو 200 دونم داخل المنطقة المصنفة «أ»، بهدف شق طريق يربط مستوطنة «نوعا» شمال قباطية بمستوطنة «عيمق دوتان» قرب عرابة.
وتقول «السلام الآن» إن هذه الخطوة تمثل سابقة منذ اتفاقات أوسلو، لاستخدام أوامر الاستيلاء العسكرية داخل المنطقة «أ» لأغراض مدنية مرتبطة بالمستوطنين، وليس لضرورة أمنية مؤقتة.
وفي الميدان، بدأت عمليات الهدم قبل عودة المستوطنين. ففي آب/أغسطس، شرعت قوات الاحتلال في إزالة منشآت تجارية فلسطينية على الطريق الممتد من دوار مرج ابن عامر إلى قرية عابا وصولًا إلى مفرق حداد شرق جنين. وأفادت وكالة «وفا» بأن أصحاب نحو 40 منشأة تلقوا إخطارات بالهدم قبل عشرة أيام من بدء العملية، بالتزامن مع إغلاق طرق وتقاطعات بين مفرق حداد وحاجز الجلمة، والتحضير لافتتاح «غانيم».
ويقول برهان عزامطة، رئيس المجلس القروي في عابا الشرقية وأحد أصحاب المنشآت المهددة، إن ما يجري يهدف إلى عزل المنطقة الشرقية، التي لم تكن تشهد وجودًا للمستوطنين سابقًا. ويشير إلى أن الاحتلال يعمل على عزل عشر قرى عن مدينة جنين ومحاصرة أراضيها، لافتًا إلى إصدار إخطارات بهدم نحو عشرة منازل في قريته.
أما باسم العزموطي، من القرية نفسها، فقد اضطر إلى إزالة خمس منشآت تجارية بيده على الطريق الالتفافي، خشية خسارة ما تبقى من أرضه.
ويصف طارق إغبارية، مسؤول ملف الجدار والاستيطان في محافظة جنين، التطورات بأنها «سابقة تاريخية وغير مسبوقة». ويوضح أن المحافظة محاصرة شمالًا بجدار الفصل، بينما يتوسع الاستيطان والطرق الالتفافية جنوبًا ضمن مشروع يعرف محليًا بـ«الحزام الأخضر»، الذي يبدأ من برطعة جنوب غرب جنين ويمر بمحيط دوتان وترسلة وحومش، ويستهدف أراضي قباطية ومسلية ورابا وصولًا إلى الأغوار في محافظة طوباس.
كما يشير إغبارية إلى إعادة تفعيل معسكر عرابة جنوب غرب جنين، وما رافق ذلك من إخطار نحو 70 منشأة قريبة بالهدم. وكان المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان قد أعلن مصادرة 133 دونمًا من أراضي عرابة، منها 128.6 دونمًا لتوسيع موقع عسكري شرق البلدة و3.6 دونمات لشق طريق.
معسكرات وطرق.. خريطة تعزل القرى
لا يقتصر التوسع على إقامة المستوطنات وشق الطرق، بل يترافق مع تعزيز الوجود العسكري في محيط جنين. فقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» في نيسان/أبريل 2026 إجبار ثلاث عائلات فلسطينية تضم 13 شخصًا، بينهم خمسة أطفال، على مغادرة منازلها في عرابة منذ آذار/مارس، بعد استخدام قوات الاحتلال تلك المنازل بشكل متقطع كنقاط مراقبة عسكرية.
وفي حزيران/يونيو، أفاد المكتب بتنفيذ عمليات واسعة في قرى جنوب جنين، شملت تفتيش أكثر من 170 منزلًا وتحويل ثلاثة مبانٍ سكنية ومجتمعية على الأقل إلى مواقع عسكرية.
كما أعلنت «السلام الآن» إقامة جيش الاحتلال قاعدة عسكرية دائمة في المنطقة «أ» قرب مخيم جنين، في أول وجود دائم من هذا النوع منذ اتفاقات أوسلو.
وتعود جذور المسار القانوني الذي سمح بعودة المستوطنين إلى آذار/مارس 2023، عندما ألغت الكنيست بنودًا من قانون «فك الارتباط» كانت تحظر دخول المستوطنين إلى المستوطنات الأربع. ومنذ ذلك الوقت بدأت العودة من بوابة المدرسة الدينية في «حومش»، قبل أن تتوسع تدريجيًا إلى مشروع مدعوم من حكومة الاحتلال.
وبذلك، لم تعد المعركة في جنين تتعلق بمصادرة قطعة أرض لبناء مستوطنة جديدة فقط، وإنما بإعادة تشكيل الخريطة كاملة؛ مستوطنات ترتبط بشبكة طرق، ومعسكرات تعزز السيطرة، وطرق فلسطينية تُغلق أو تُهدم منشآتها، ومساحات واسعة تتحول إلى مناطق عازلة أو أمنية.
وبينما كان «فك الارتباط» عام 2005 قد بدا وكأنه يفتح المجال أمام تواصل جغرافي أكبر بين جنين وقراها، تكشف التطورات الحالية عن مسار معاكس، تسعى فيه خريطة الاستيطان الجديدة إلى تطويق المدينة وفصلها عن محيطها.
وفي حال استمر هذا المسار، فإن أثره لن يقتصر على المستوطنات نفسها، بل سيمتد إلى حركة السكان وأراضيهم وطرقهم ومصادر رزقهم، بما يعيد رسم علاقة جنين بعشرات القرى المحيطة بها على أساس شبكة جديدة من المستوطنات والطرق والمعسكرات.

























































