اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٦ أيلول ٢٠٢٦
كتبت ميرا فاضل:
مشهدٌ يتكرّر كل عام: حقائب ممتلئة، عناق أطول من المعتاد، وعبارة 'منشوفكن السنة الجايي' تُقال كأنّها موعد قريب، فيما يعرف الجميع أنّ سنةً كاملة من الغياب تقف خلفها. نقولها كي نمنح الغياب موعداً، لا كي نصدّق أنّ الانتظار سهل.
في صالة المغادرة، أمٌّ تعانق ابنها الذاهب إلى جامعته، وتحاول أن تؤجّل الإفلات من يده ثوانٍ إضافية. أب يحمل حقيبته آملاً أن يمنح أولاده حياة أكثر استقراراً. وعائلة شابة تغادر بأطفال سيكبرون بعيداً عن الجدّ والجدة، وعن أبناء العم والخالة، وعن بيت الضيعة الذي عرفوه خلال زيارات قصيرة.
تختلف الوجوه والوجهات، لكنّ السؤال واحد: كم علينا أن نخسر كي نحصل على حياة أفضل؟
هؤلاء لا يودّعون عطلة صيفية فحسب. يودّعون أمّاً أو حبيباً أو صديقاً، ورائحة القهوة والمناقيش في الصباح، و'طبخة' ساخنة مليئة بالحب، والبيوت التي تُفتح أبوابها من دون موعد، والضجيج والفوضى والألفة التي يصعب شرحها لمن لم يعشها. وفي الجهة الأخرى، هناك مَن سيعود من المطار إلى منزل أكثر هدوءاً، وإلى غرفة استعادت ترتيبها وخسرت صاحبها.
في بداية الصيف، يبدو لبنان كأنّه يستعيد أبناءه. تمتلئ البيوت والقرى والأمسيات، ويُضغط عام كامل من الاشتياق في أسابيع قليلة. ثم تنتهي الزيارة، فتعود الحياة إلى شكلها المعتاد: عائلات موزّعة على بلدان عدّة، ومكالمات عبر الشاشات، ومواعيد محسوبة على فارق التوقيت، وانتظار لصيف جديد.
'Walk of Shame' لبنانية
حين يختفي المسافر خلف بوابة المغادرة، تبدأ مشية أخرى يعرفها كلّ من أوصل شخصاً يحبّه إلى المطار: الطريق من صالة السفر إلى السيارة. نمشي خفيفي اليدين بعدما أخذ المسافر حقائبه، وثقيلي القلب بكلّ ما لم نستطع قوله.
إنّها أشبه بـ'Walk of Shame' لبنانية؛ لا لأنّنا ارتكبنا خطأ، بل لأنّ شيئاً من الذنب والخذلان يرافق الطرفين. يشعر مَن بقي بأنّه تُرك خلف الآخرين، ويشعر مَن غادر بأنّه تركهم خلفه. وفي الطريق إلى موقف السيارات، نستعيد العناق الأخير ونسأل الأسئلة نفسها: لماذا أصبح الوداع جزءاً ثابتاً من حياتنا؟ وكيف صارت عبارة 'منشوفكن السنة الجايي' تختصر علاقات كاملة؟
ربما ليست مشية عار بقدر ما هي مشية خيبة؛ خيبة ببلدٍ لم يعرف كيف يحتفظ بأبنائه.
لا الرحيل نجاة كاملة
حين غادرت أختاي لبنان بحثاً عن الأمان والاستقرار والحياة الكريمة، كنت أشتاق إليهما يوماً وألومهما يوماً آخر. كيف استطاعتا المغادرة بهذه البساطة؟ وكيف يجرؤ مَن يرحل على الشعور بالغربة، فيما كنت أشعر أحياناً أنّني أنا الغريبة في وطني دونهما؟
كنت أظنّ أنّ الغربة تخصّ مَن يسافر، ثم اكتشفت أنّها تتوزّع على الجميع. أختاي تحملان لبنان معهما في تفاصيل صغيرة لا يراها أحد: لهجتهما، الكِشك الأخضر والزعتر، وذاكرة العائلة التي لا تُستعاد كاملة عبر مكالمة أو صورة. وأنا، في المقابل، بقيت هنا أحمل غيابهما في تفاصيل يومي: كرسيّ فارغ، خبر أؤجّل إرساله، ومناسبة عائلية ينقصها صوتان اعتدت أن يكونا جزءاً من ضجيجها.
احتجت إلى سنوات لأفهم أنّ الهجرة لا تمنح أحداً إجابة كاملة. أختاي لم تغادرا لأنّهما أقلّ حباً للبنان، وأنا لم أبقَ لأنّني أكثر وفاءً له. كلّ واحدة منهما حاولت أن تنقذ شيئاً من حياتها، وأنا حاولت أن أجد معنى للبقاء وسط بلد يدفع أبناءه إلى الاختيار بين القرب والاستقرار.
ومن هذه المسافة الشخصية، صار السؤال أكبر من قصتنا: كم عائلة لبنانية تعيش الانقسام نفسه؟ كم أخت وأخ يتبادلان الحب والعتب عبر الحدود، لأنّ الوطن لم يعد قادراً على أن يجمعهما في حياة واحدة؟
مَن يرحل لا يتخلّص من لبنان. يحمله معه في تفاصيل يومه، ويعيش بين بلدٍ يؤمّن له الاستقرار وبلد يحتفظ بذاكرته. يبني حياةً كاملة في الخارج، ثم ينتظر زيارة قصيرة كي يعيش الجزء الذي يفتقده. وعندما يعود، يكون ابناً وزائراً، قريباً وغريباً في الوقت نفسه. وربما لهذا لا تبدو الهجرة اللبنانية قراراً فردياً تماماً؛ إنّها تجربة عائلية وجماعية، يخرج فيها شخص من البيت، لكنّ أثر خروجه يعيد ترتيب حياة مَن بقي.
ولا البقاء خيار بلا ثمن
أما مَن يبقى، فلا يعيش بطولة متواصلة ولا يملك بالضرورة شجاعة أكبر. هو أيضاً يختار ويدفع الثمن: يتحمّل القلق، ويتمسّك بأهله وناسه، ويحاول أن يبني حياةً في مكان لا يقدّم له دائماً ما يحتاج إليه. وفي كل صيف، يستقبل الذين يحبهم ثم يعيدهم إلى المطار، ويبدأ العدّ من جديد.
وطن يعيش بين موعدَي وصول ومغادرة
لا الذي غادر بارد القلب، ولا الذي بقي أسير وطنه. إنّهما شخصان يحاولان النجاة بطريقتين مختلفتين، فيما تبقى الهجرة خسارة موزّعة بينهما: واحد يخسر القرب، والآخر يخسر حضور مَن يحب.
في لبنان، لا أحد يغادر تماماً ولا أحد يبقى كاملاً. المسافر يترك جزءاً منه هنا، والمقيم يرافقه بجزء منه إلى هناك.
وبين وصول في أول الصيف ووداع في آخره، يستمرّ وطن كامل في العيش على موعد اللقاء المقبل.
منشوفكن السنة الجايي… إن شاء الله.











































































