اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٦ تموز ٢٠٢٦
في خضم السجال السياسي الدائر حول 'اتفاق الاطار'، الذي يختلف اللبنانيون في قراءتهم لبنوده وتداعياته، وتتباين مواقف القوى السياسية بين مؤيد ومعارض، لكن ثمة موقفاً يصعب تجاهله أو إدراجه في خانة الاصطفافات الداخلية، وهو التحذير الصادر عن ست من أبرز المنظمات الحقوقية الدولية.
لانه عندما يحذر الخصوم يمكن أن يكون الأمر سياسياً، أما عندما تحذر منظمات حقوقية دولية مستقلة، فإن الأمر يستحق التوقف عنده، فهذه المنظمات ليست طرفاً في الصراع اللبناني، ولا تمثل أي فريق داخلي، بل تستند إلى مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان. لذلك، فإن تحذيرها يمنح النقاش بعداً يتجاوز الانقسام السياسي، ويفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول مدى انسجام الاتفاق مع حقوق الضحايا، وآليات المساءلة، وحماية المدنيين.
فعندما تجتمع منظمات بحجم منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومراسلون بلا حدود، إلى جانب منظمات دولية أخرى، لتعلن أن الاتفاق يخذل ضحايا جرائم الحرب، ويكرس الإفلات من العقاب، ويشرعن التهجير القسري، فإن الأمر يتجاوز حدود الرأي السياسي، ليصبح إنذاراً قانونياً وأخلاقياً موجهاً إلى الدولة اللبنانية وإلى المجتمع الدولي معاً.
تكمن أهمية هذا الموقف في أن هذه المنظمات لا تتحدث بلغة السياسة ولا تنطلق من حسابات المصالح، بل تستند إلى القانون الدولي الإنساني، وإلى عشرات التقارير التي وثقت الانتهاكات التي شهدها لبنان منذ تشرين الأول 2023. ولذلك فإن تحذيرها لا يمكن التعامل معه على أنه اعتراض عابر، بل هو تشخيص لنتائج قد تمتد لسنوات طويلة.
الأخطر في البيان أنه يرى أن الاتفاق قد يحول دون وصول الضحايا إلى العدالة، من خلال تقييد اللجوء إلى المحافل القضائية الدولية، في وقت يفترض فيه أن تكون محاسبة مرتكبي جرائم الحرب حقاً لا يجوز التنازل عنه أو إخضاعه لأي تسوية سياسية.
فأي سلام يمكن أن يقوم إذا كان ثمنه إسقاط حق الضحايا بالمحاسبة؟ وأي استقرار يمكن أن يدوم إذا شعر عشرات آلاف المهجرين بأن معاناتهم تحولت إلى واقع دائم يحظى بغطاء سياسي وقانوني؟
لقد اعتادت إسرائيل، على امتداد عقود، أن ترفض أي مساءلة عن انتهاكاتها، لكن الخطير اليوم هو أن يأتي اتفاق قد يفسر على أنه يوفر لها مظلة إضافية للإفلات من المسؤولية. ومن هنا، جاء تحذير المنظمات الست ليذكر بأن القانون الدولي لا يسقط بالتقادم، وأن حقوق المدنيين ليست بنداً تفاوضياً يمكن شطبه من أي اتفاق.
كما أن دعوة هذه المنظمات لبنان إلى منح المحكمة الجنائية الدولية صلاحية التحقيق، والانضمام إلى نظام روما الأساسي، وإقرار قوانين تجرّم جرائم الحرب، تعكس رؤية واضحة مفادها أن حماية السيادة لا تقتصر على حماية الأرض، بل تشمل أيضاً حماية حق اللبنانيين في العدالة والإنصاف.
إن هذا التحذير الدولي يضع المسؤولين اللبنانيين أمام مسؤولية وطنية كبيرة، لان اللبنانيين قد يختلفون في السياسة، لكنهم يعلمون أن العدالة ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه، وعندما يعلو صوت ست منظمات حقوقية دولية محذرة من اتفاق قد يكرس الإفلات من العقاب، فإن أقل ما يجب فعله هو الإصغاء، والتدقيق، وفتح نقاش وطني مسؤول، لأن الدول التي تتجاهل إنذارات العدالة، غالباً ما تدفع أثماناً باهظة في المستقبل.











































































