اخبار لبنان
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٧ أب ٢٠٢٦
لا شك في أن تركيا تمثل قوة إقليمية صاعدة تريد وتحاول ملء الفراغ الإيراني وكبح تمدّد النفوذ الإسرائيلي، لكنها في الوقت نفسه محكومة بقيود الجغرافيا، وتناقضات السياسة الداخلية التركية، والشراكات الدولية، وبخاصة العلاقة مع كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وعضويتها في حلف الناتو. هذه الشراكات تمنع مرحلياً وبشكل قاطع سيناريو المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل، مع الالتفات إلى أن عوامل التصعيد الفعلي تتراكم وبشكل حاسم أيضاً، إلى جانب عوامل متنوعة سيرد تفصيلها تباعاً، من شأنها أن تمهّد للمواجهة بين الجانبين.
عند تأمّل التحركات التركية المتسارعة في دول المشرق العربي، ولا سيما في لبنان، تبدو سياسة أنقرة الخارجية محكومة بجملة من التناقضات الظاهرية. فهي تسعى إلى تقديم نفسها قوةً منافسة للنفوذ الإسرائيلي المتنامي، فيما تجمع علاقتها بإيران بين التعاون والتنافس، وتدعم في الوقت نفسه إعادة إعمار سوريا وبناء دولة ما بعد الحرب.
أما في لبنان، فتحاول تركيا ترجمة توجّه جديد لا ينفصل عن المسار الذي أسّست له في سوريا، وبدأت ترسي ملامحه في العراق، من خلال دعم الدولة المركزية من جهة، وتعزيز مشروع 'طريق التنمية' الاستراتيجي، الهادف إلى ربط الخليج العربي بأوروبا عبر شبكة للنقل البري والسككي تمرّ بالأراضي العراقية والتركية، من جهة أخرى.
إلا أن طبيعة الدور الذي ستلعبه تركيا في لبنان لا تزال غير مفهومة تماماً بعد، مع أن اتساع النفوذ التركي في لبنان أصبح أمراً شبه حتمي، خصوصاً بعد زيارتَي رئيسَي الوزراء نواف سلام والجمهورية جوزاف عون في بداية شهر تموز/ يوليو الماضي ونهايته، إلى أنقرة. فالرابط الظاهر بين تركيا ولبنان هو مؤسسات الدولة والشرعية الرسمية، ولا مؤشرات إلى دعم تركيا أي ميليشيات، أو المبادرة إلى تأسيس ميليشيات مماثلة لتلك التي ساندتها ميدانياً ومالياً في شمال سوريا قبل سقوط نظام الأسد.
يتسم النفوذ التركي في لبنان حتى الآن بطابعٍ سياسي واقتصادي، وثقافي واجتماعي أيضاً، خصوصاً في شمال البلاد، وتحديداً في مدينة طرابلس ومناطق عكار. فيما تصرّ أنقرة على أن ارتباطها ببيروت يقوم على أساس اقتصادي، إذ تُظهر الأرقام حضوراً تجارياً متنامياً، فقد بلغت صادرات تركيا إلى لبنان نحو 1.17 مليار دولار في عام 2025، مقابل صادرات لبنانية إلى تركيا بقيمة 132 مليون دولار فقط، وذلك وفقاً للتقارير الصادرة عن السفارة التركية في بيروت استناداً إلى سجلات التجارة الخارجية.
وفي زيارتَي عون وسلام، نُوقشت مسألة 'الشراكة الاستراتيجية'، التي تشمل تعاوناً أمنياً وعسكرياً، لتسليح الجيش اللبناني وتدريبه، وانخراط تركيا في مبادرات أمنية في جنوب لبنان عقب انتهاء ولاية بعثة 'اليونيفيل' الحالية، وتوفير غطاء جيوسياسي للبنان للتخفيف من وطأة العنف الإسرائيلي، إلى جانب مشاركة الشركات التركية في مشاريع إعادة إعمار الجنوب، والتعاون اللوجستي وتطوير مرفأ طرابلس، وربط المرافئ اللبنانية والتركية وتعزيز حركة التجارة في المنطقة، وتقديم تركيا المساعدات الإنسانية عبر الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا) وإدارة الكوارث والطوارئ التركية (آفاد) والهلال الأحمر التركي.
وعلى عكس الاستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط، تتبع تركيا – حتى الآن – نهجاً يبدو براغماتياً ومرناً، يقوم على تعظيم نفوذ أنقرة تدريجياً عبر إدارة التناقضات الموجودة في المنطقة، بدلاً من خلق تناقضات جديدة بشكل مباشر. لذلك، لا يوجد نمط أيديولوجي واضح في السياسة الخارجية التركية، على الرغم من الطابع الثقافوي-الهوياتي الذي اتخذته من خلال توظيف البعدين الإسلامي والعثماني في سوريا بشكل خاص دعماً لحركات 'الإسلام السياسي'، وعلى الرغم أيضاً من ارتباط الأيديولوجيا 'النيوعثمانية' التي تجمع بين القومية التركية والهوية الإسلامية وإرث الدولة العثمانية التاريخي بهذه السياسة الخارجية بشكلٍ وثيق. ومع ذلك، فإن ما يثير الإرباك هو أن هذا التوظيف الأيديولوجي بدأ يتلاشى سريعاً فور سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، إذ بدا السلوك التركي معتمداً بشكل متزايد على الواقعية السياسية المحضة، على رغم استمرار هذا التوظيف على مستوى الداخل السوري بوسائل وأشكال جديدة لكنها أخف وقعاً مما شهدناه سابقاً. فقد أُعطِيت الأولوية لإعادة بناء الدولة المركزية على حساب الاستمرار في تغذية الفصائل المسلّحة من جهة، ومحاولة الإنهاء السلمي لعقود من النزاع التركي-الكردي من جهة أخرى، على الرغم من أن المشروعين يمكن أن يبوءا بالفشل لأسباب متداخلة، تملك إسرائيل بعضاً من خيوطها أيضاً.
لا يبدو أن السياسة الخارجية التركية في المشرق العربي، وتحديداً في سوريا ولبنان، تتحرك وفق خطة منهجية مضبوطة تماماً، وهي في طور التحوّل من دعم الميليشيات الطائفية والقومية إلى تطبيع العلاقات مع الدول المركزية، فقد ساهم الانخراط التركي في سوريا على وجه التحديد في إزكاء التوترات الطائفية وتسليح ميليشيات ارتكبت مجازر عدة في الشمال والشرق والساحل، أما الآن فهي تسير وفق ديناميات مختلطة تجمع بين المقاربات الدبلوماسية التوفيقية وتوسيع النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني 'الناعم' في العمق الإقليمي الذي تعتبره امتداداً لأمنها القومي، خصوصاً في جنوب لبنان وسوريا، بالإضافة إلى ممارسة ضغوط متزايدة بشأن غزة والضفة الغربية من دون الوقوع في حالة صدام مباشر مع إسرائيل. أي أنها تحاول اتباع سياسة احتواء إسرائيل بشكل تدريجي بدلاً من مواجهتها، وهو ما أثار غيظ رموز اليمين الصهيوني المتطرف، الذي بدأ بتوجيه التهديدات الى تركيا. إذ أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت إلى أن تركيا هي 'إيران الجديدة'، قائلاً: 'بعد إيران، لن نقف مكتوفي الأيدي'. أما وزير الدفاع يسرائيل كاتس فقال إن 'إسرائيل لن تسمح بأن تكون سوريا منصة لنفوذ أو تهديد تركي'، مؤكِّداً أن 'على تركيا ألا تضع نفسها في الموقع الذي وضعت إيران نفسها فيه'. في حين حاول وزير المالية بتسلئيل سموتريتش التحرك للضغط على الإدارة الأميركية لمنع بيع طائرات إف-35 لتركيا، معتبراً القيادة التركية برئاسة رجب طيب أردوغان 'خطيرة وتمثل تهديداً استراتيجياً'.
بدوره، وجّه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير شتيمة مباشرة الى الرئيس التركي، كاتباً على صفحته على منصّة 'إكس': 'أردوغان، هل تفهم الإنكليزية؟ Fuck You'، ومتعمداً نشر مقاطع لإذلال ناشطين مشاركين في أساطيل كسر الحصار المتّجهة إلى غزة، وهم مقيدو الأيدي ومجبرون على الركوع على الأرض، ومن بينهم ناشطون أتراك. وكان سبق لبن غفير أن اعتبر أن تركيا هي حركة 'حماس' ولا فرق بينهما، ملمحاً إلى التعامل مع تركيا كعدوٍّ مباشر.











































































