اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٠ أذار ٢٠٢٦
يطل عيد الفطر المبارك هذا العام على بيروت، وهي ترزح تحت وطأة حرب مدمرة وأزمة اقتصادية ومعيشية كافرة، سرقت من الأعياد رونقها، ومن الوجوه بسمتها. غابت «اللمة العائلية»، وتلاشت مظاهر الزينة، وباتت «العيدية» حلمًا بعيد المنال، حتى «ضمة الآس» التي كانت تزين قبور الأحبة أصبحت ترفًا لا يطال. لكن، وأمام هذا الواقع المأساوي، تشرع الذاكرة البيروتية أبوابها لتعيدنا إلى «الأيام الخوالي»؛ أيام الخير والبركة، حين كانت بيروت تستقبل العيد كعرس اجتماعي وروحي، وكأنها مهرجان للفرح والسعادة التي تخيم على أرجاء العاصمة...
قبل حلول العيد بأيام، كانت بيروت تعيش حالة من «الاستنفار الجميل». لم يكن العيد يطرق الأبواب فجأة، بل كانت تسبقه دلالات وعلامات تملأ الأرجاء حركة وبركة. تبدأ الحكاية بـ «توديع رمضان»، حيث تصدح المآذن بالتواشيح الدينية الرخيمة، ليبدأ معها العد التنازلي لإعداد المنازل لاستقبال الضيوف.
تعزيلة العيد: «النظافة من الإيمان»
كانت النسوة البيروتيات يعتبرن أن نظافة الدار في العيد مرآة لصاحبته. تبدأ عملية «التعزيلة» الشاملة، وهي تختلف عن أي تنظيف روتيني؛ إذ تشمل جدران البيت، محتوياته، فرشه، وتلميع نحاسياته حتى تلمع كالمرايا. كان الشعار الدائم: «غسل وجك ما بتعرف مين ببوسو، ونظف بيتك ما بتعرف مين بدوسو».
المعمول المنزلي:
بعد التنظيف، تأتي المرحلة الأكثر قدسية في الوجدان البيروتي: صناعة المعمول. «لا طعم للعيد دون معمول»، عبارة رددتها الجدات والأمهات، فالمعمول ليس مجرد حلوى، بل هو رمز للانتقال من الصوم إلى الإفطار.
على أنغام صوت أم كلثوم وهي تشدو «يا ليلة العيد آنستينا»، كانت النسوة يجتمعن مع الجارات في جلسات يملؤها الود والمداعبات اللطيفة (التزريك). تبدأ عملية «دعك» العجينة الفواحة برائحة السمن البلدي «الحديدي» المستورد من حماه، الممزوج بماء الورد والزهر. ثم تأتي مرحلة «التكويز» والحشو بالجوز أو الفستق الحلبي أو التمر، ونقش الحبات بالقوالب الخشبية أو «المناقش» النحاسية.
بعد الانتهاء، تُصف الصواني وتُرسل إلى «فران الحي» لخبزها، ليعيدها «صبي الفران» وهي «مأمرة تأمير»، فتُرش بالسكر الناعم وتوضع في «صراني الفضة» الفاخرة، لتصبح جاهزة للتقديم.
أسواق «البلد».. حيث تلتقي الأناقة بالهوية
في الأسبوع الأخير من رمضان، يتحول وسط بيروت التجاري (البلد) إلى خلية نحل لا تنام. هنا، كانت الأسواق هي المقصد الأول لكل من يبحث عن «كسوة العيد».
-خياطة الحي وسحر «السركس»
قبل انتشار الملابس الجاهزة، كانت «خياطة الحي» هي الشخصية الأهم. تواصل الليل بالنهار لتلبية طلبات الصبايا اللواتي يرغبن في تفصيل «السركس» (الفستان الجديد). كانت دار الخياطة تتحول إلى «صبحية» نسائية ممتدة، تدور فيها الأحاديث عن الطبخ وشؤون الحي، بينما الماكينة لا تتوقف عن الدوران لضمان تسليم الملابس قبل ليلة الوقفة.
-أسواق الطويلة وأياس: «صباط العيد خلنج»
كانت أسواق «الطويلة»، «سرسق»، «أياس»، وشارعا «فوش» و»ألمبي» تعج بالمتسوقين. سيارات الأجرة السوداء من طراز «مرسيدس 180 و190» تملأ الشوارع بزحام خانق. كان لكل سوق فئة اجتماعية تناسب قدراتها، لكن الجميع كان يخرج بـ «كسوة» جديدة.
أما «صباط العيد»، فله حكاية خاصة؛ ففرحة الأطفال بالحذاء الجديد «الخلنج» لا توصف، حتى قيل في المثل البيروتي القديم: «شايف حالو أكثر من سرماية العيد».
ضيافة العيد
عُرف عيد الفطر قديماً في «الأستانة» بـ «عيد السكر»، وانتقل هذا المسمى إلى بيروت التي كانت تتفنن في تقديم الحلويات. يذكر الرحالة الشيخ عبد الجواد القاياتي عام 1880 أن أهل بيروت كانوا يقدمون للزائر «الحلواء اليابسة» أو «المربيات الرطبة» على صوانٍ صغيرة.
-محلات الحلويات العريقة
كانت الناس تقصد قلاع الحلويات مثل: «الصمدي»، «العريسي»، «كريدية»، «رمضان»، «دمشقية»، و»الرشيدي»، حيث تفوح روائح السمن البلدي. أما من أراد «الكاتو» والحلويات الغربية، فكان يتوجه إلى «باتيسيري سويس» و»سميرا ميس» في باب إدريس.
-خريطة الضيافة: من دمشق إلى إسطنبول
تنوعت الضيافة البيروتية لتشمل:
معمول العيد:
كلمة «معمول» تعود لأصول تونسية (مدينة القيروان) حيث كان يُسمى «المقروض». أما تاريخ الكعك المحلى، فيمتد إلى عهد الفراعنة؛ إذ كانت النقوش عليه تمثل قرص الشمس (الإله آتون).
تطور الأمر في العصر الفاطمي، حيث خُصصت «دار الفطرة» لتجهيز الكعك، وكان الخليفة يوزع أطنان الكعك على الناس من شباك القصر. وفي العصر الإخشيدي، كان الوزير أبو بكر المادراني يحشو الكعك بالدنانير الذهبية ويقول للفقراء: «أفطن إليه» (انتبه للمفاجأة)، ومن هنا جاءت تسمية «انطونله».
٠الفاكهة المجففة: أو «حطب الشتاء» كما سماها الدمشقيون، من مشمش وتين وكرز.
٠راحة الحلقوم: التي ابتكرها «الحاج بكير» في إسطنبول، وكانت تُسمى «اللوكوم». سُميت «راحة الحلقوم» لأنها كانت سهلة الأكل للمسنين، ومصدراً للطاقة والسموم.
٠النوغا: المغربية الأصل، الملقبة بـ «حلوى مولاي إدريس»، المصنوعة من بياض البيض والمستكة والمكسرات.
٠الملبس: الابتكار الدمشقي الذي «ألبس» حبات اللوز سترة من السكر وماء الورد، ليصبح رمزاً للأفراح.
جلال الإيمان.. الجامع العمري وموكب الوالي
لا يكتمل العيد في بيروت إلا بالتوجه نحو «الجامع العمري الكبير»، درة مساجد المدينة وشاهد تاريخها. صلاة العيد فيه لم تكن مجرد عبادة، بل كانت تظاهرة لسيادة الدولة ووقار التقاليد.
-مدافع التبشير وسوق الفشخة
بمجرد ثبوت رؤية الهلال، تنطلق المدافع من «القشلة العسكرية» (السرايا الكبيرة) وساحة البرج. وفي الفجر، تُنظف الطرق المؤدية للجامع وتُرش بالماء. يصطف جنود «الجندرما» ببدلاتهم الرسمية في «سوق الفشخة» (الرابط بين السرايا والجامع) بانتظار الموكب المهيب.
-الموكب السلطاني
كان الوالي يخرج بعربته الفاخرة، يحيط به خيالة «السواري»، ويرافقه مفتي الجمهورية، والقاضي الشرعي، ونقيب الأشراف، مرتدين «الريدينغوت» والطرابيش الحمراء. تتعالى الهتافات: «باد شاهم جوق يشا» (يعيش مولانا السلطان).
-ساحة المصلى والمنبر النقال
وثق المؤرخ عبد اللطيف فاخوري وجود «ساحة المصلى»، وهي الفراغ الجغرافي الذي يمتد شرق السرايا القديمة. كانت تُفرش بالحصر المصرية لاستيعاب آلاف المصلين، ويُخرج إليها «منبر خشبي نقال» مزخرف، لتصدح التكبيرات تحت سماء بيروت المفتوحة، في مشهد يجمع بين الأحياء في الساحة والراحلين في الجبانة المجاورة.
«حرش العيد»..
كرنفال الفرح الشعبي
بعد الصلاة، يتحول المشهد من الوقار الروحي إلى الصخب الجميل في «حرش بيروت». هنا تترسخ مقولة: «راح على الحرش، ورجع بلا قرش»، حيث ينفق الأطفال كل عيدياتهم على المتعة والشقاوة البريئة.
-مدينة الملاهي الفطرية
كان «الحرش» المكسو بصنوبر بيروت يتحول إلى مدينة قائمة بذاتها. يصل الناس عبر «الترامواي» أو «الطنابر» أو مشياً. تملأ المكان أهازيج الأطفال: «يا أولاد محارم.. يو يو»، و*»بكرا العيد ومنعيد ومندبح بقرة السيد»*.
-عجائب الحرش وغرائبه
٠صندوق الفرجة: «تلفزيون ذلك الزمان». صندوق خشبي بفتحات زجاجية، ينشد صاحبه: «شوف تفرج يا سلام.. شوف أحوالك بالتمام.. شوف بنت السلطان». كانت الصور المتحركة تبهر الأطفال وكأنها معجزة.
٠القرداتي: الذي يدق على الرق ليجعل قرده يقلد «مشية العجوز» أو «لبس الطربوش».
٠الأراجيح والقلابات: كانت «الشقليبات» الخشبية مصدر السعادة الأول، حيث يتطاير الأطفال في الهواء مع ضحكات لا تنتهي.
٠المأكولات الشعبية:
ينتشر باعة الكبيس، الترمس، «غزلة البنات»، التفاح المغطس بالسكر المذاب، والكعك بالزعتر، والملبس على قضامة».
هل بقي من العيد إلا الذكرى؟
تنتهي أيام العيد الثلاثة، ويردد الأهالي قديماً: «خلص العيد وفرحاتو، ورجع الأستاذ وقتلاتو». لكن اليوم، يبدو أن «الأستاذ» (الواقع المر) قد استوطن أيامنا كلها. في زمن الأجهزة الذكية والألعاب الإلكترونية، تباعدت القلوب رغم تقارب الأجساد، وباتت البسمة والمجاملة سيدة الموقف.
إن استحضار هذا التراث البيروتي الغني ليس مجرد «نوستالجيا» أو بكاء على الأطلال، بل هو محاولة لاستعادة الهوية، وتذكير الجيل الجديد بأن بيروت كانت مدينة تعرف كيف تصنع الفرح من أبسط الأشياء. إنها دعوة للتكافل والتعاضد الذي ميز «البيارته» قديماً، آملين بفرج قريب يعيد للجامع العمري زحامه، وللحرش ضحكاته، وللبيوت رائحة معمولها الفواح.
بيروت التي صلت، وصبرت، وبنت.. سيبقى عيدها، ولو في الذاكرة، منارة للأمل ورمزاً للحياة التي لا تقهر.











































































