اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
خلال السبعينات من القرن الماضي، تم تكليفنا المرحوم الأستاذ عز الدين التل، وكان مساعداً لمدير الإذاعة آنذاك، وأنا العبد الفقير لله، وكنت مديراً للأخبار والبرامج الإخبارية، لتوقيع اتفاقية أعلامية وثقافية بين المملكة الأردنية الهاشمية وجمهورية بلغاريا، وكان حرصنا ينصب على إضافة بنود تصب في مصلحة بلدنا العزيز.. وتم إنجاز الأمر مع الوفد البلغاري وتوقيع الاتفاقية.. وقيل لنا بأن حفلاً مرتباً سيجري على هامش التوقيع في وقت لاحق.
وفي مساء اليوم التالي، جاء مضيفونا إلى مقر أقامتنا واصطحبانا في موكب لنحط الرحال في رحاب المركز الثقافي السوفياتي مكاناً لحفل العشاء. وقد اعتقدت للوهلة الأولى بأن اختيار المركز مكاناً دون سواه يعود للمكانة الرفيعة التي تحظى بها جمهورية بلغاريا لدى الاتحاد السوفياتي سيما وأنها الحليف المقرب له، لكن المدلول جاء مغايراً لاعتقادي، وعلى لسان رئيس الوفد البلغاري حين قال: لقد اخترنا أن يكون الاحتفال هنا، في رحاب صرح ثقافي وحاضنة ثقافية، لأن أقصى درجات التكريم للاتفاقية وضيوفنا من المملكة الأردنية الهاشمية حين يكون تحت مظلة ثقافية بضاعتها الحرف وعنوانها الثقافة.
ويكاد المشهد يتكرر حين اختار معالي وزير الثقافة الأستاذ مصطفى الرواشدة مكان لقائنا منذ أيام في رحاب المركز الثقافي الملكي .. هذا الصرح الثقافي العريق الذي أعرف قسماته وناسه وفنييه وجمهوره كما أعرف راحة يدي.. وطوّفت بالمتحف الذي أقيم حديثاً لتخليد جوانب من السردية الوطنية الأردنية،، ناهيك عن الحافلة المتنقلة التي ستشرع بالعمل قريباً لإيصال المسرح والمتحف إلى كافة مناطق المملكة بالتعاون مع الجامعات والحواضن الثقافية والمدارس في كافة محافظات الوطن.. وأعجبت بالإجراءات العمرانية والبوابات العالية في الخارج.. وأعجبت أكثر بالثورة الثقافية التي ينتهجها الوزير الرواشدة ووضع على رأس أولوياتها إعادة توصيف مشروع وطني كبير وهو السردية الوطنية التي أكد عليها سمو ولي العهد الأمير الحسين خلال زيارته لمحافظة الطفيلة مؤخراً.
وبدأنا الحديث خلال اللقاء عن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني الجريء والشجاع إلى العالم من على منبر الأمم المتحدة والذي نال إعجاب واهتمام وتقدير دول وشعوب العالم.. فقد تميز الخطاب بالشجاعة والجرأة والصدق وتسمية الأشياء بمسمياتها.. وأضحى حديث الملك بمثابة خارطة طريق أمام العالم، حين شخّص العلة وهي ممارسات الاحتلال على الأرض الفلسطينية، ووصف العلاج وهو الانتصار للعدل والسلام وحق الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لإبادة جماعية فاقت في بشاعتها الممارسات والأساليب النازية في سابق من الزمن.
وقد أبدع جلالة الملك في طرح ووصف سردية إنسانية لواقع الحال في منطقتنا، نالت اهتمام الجميع وينبغي تسجيلها على الصعيد القومي بأنها تقع في صلب السردية الوطنية في مجال نصرة الأشقاء غربي النهر المقدس.
ولم يترك جلالة الملك عبدالله الثاني من خلال خطابه القوي والشامل والمؤثر من زيادة لمستزيد الأمر الذي استوجب قولاً واحداً نطقنا به كلانا الوزير الرواشدة وأنا، وعنوانه: كلام الملك .. ملك الكلام!
وعود للحديث عن السردية الوطنية، فقد حرصت على الإصغاء بكل جوارحي لحديث الوزير الرواشدة عن هذا المشروع الوطني الكبير، وهو يستعين بالثقافة كقوة ناعمة، وبعيداً عن الترف الفكري، من حيث الطرح وإعادة التوصيف ومستنداً في سرده إلى رصيد وافر يكتنزه الوزير المثقف.. والقومي العتيق.. والمؤرخ الفذ الذي يعرف عن ظهر قلب الأبعاد والمنجزات والدلائل التاريخية.. ونقيب المعلمين الصلب في داخله الذي أتقن فن الحوار الهادف والموازنة بين مصلحة المعلمين ونقابتهم ومصلحة الوطن وهي الأهم، فجاءت النتائج كما يتمنى المخلصون لوطننا العزيز والحريصون على ديمومة استقرار الوطن ونهضته ورفعة شأنه.
وبدا الوزير في حديثه عن مشروع السردية الوطنية، وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح، حيث استهل الكلام باستعراض المرتكزات الأساسية وهي الأرض والإنسان.. وتضافر الحرف والسيف في أفياء مسيرة طويلة وبهية على أرض الأنبياء.. وحضارات وإنجازات الأدوميين والعمونيين على هذه الأرض الطيبة.. ومروراً بعصر الأنباط وحضارتهم الزاهية.. ومروراً أيضاً بحضارة المؤآبيين وانجازات الملك 'ميشع' ملك مؤاب المدونة في مسلته التاريخية والمحفوظة في متحف اللوفر بالعاصمة الفرنسية... ومروراً بتضحيات الصحابة الأطهار في مؤتة وأمجاد اليرموك.. وتأكيداً على الثورة العربية الكبرى التي أطلق رصاصتها البكر الشريف الحسين بن علي - طيب الله ثراه – من بطحاء مكة في العام 1916م، من أجل وحدة العرب واستقلالهم ورفعة شأنهم.. ووقوفاً عند تأسيس الإمارة التي بدأت من (معان) العز على يد المغفور له الملك المؤسس عبدالله الأول وعلى يمينه كوكبة من الأحرار الأردنيين والعرب، وبداية البناء والنهضة ونيل الاستقلال وتحقيق الوحدة بين الضفتين التوأمين على جانبي النهر المقدس.. ومروراً أيضا بعهد الراحل الكبير جلالة الملك طلال – طيب الله ثراه- صانع ومهندس الدستور الأردني الذي كان بمثابة نقلة نوعية من حيث مشاركة الشعب الأردني في صنع القرار والتأكيد على مبدأ فصل السلطات وإقرار حق التعليم المجاني والإلزامي في الأردن .. ووصولاً إلى النهضة الحديثة في كافة المجالات التي تحققت على يد جلالة المغفور له الحسين بن طلال – طيب الله ثراه-.. الحسين العظيم الذي حقق لبلدنا اسماً كبيراً ومكانةً مرموقة وحضوراً فاعلاً على خارطة الفعل والقرار في منطقتنا والعالم بأسره.
ومروراً بتضحيات جيشنا العربي الباسل في ساح الوغى ومعارك الشرف في باب الواد واللطرون والكرامة الخالدة التي حققت الانتصار للوطن والأمة وغسلت هوان نكسة الخامس من حزيران، وأعادت لأمتنا العربية هيبتها وكرامتها في وجه الاحتلال الصهيوني.. ومروراً برسالة الضابط الشهيد (خضر شكري) عبر اللاسلكي إلى ضابط الإشارة في معركة الكرامة وهو يقول:' الهدف موقعي.. إرمِ...!' ثم تلا الشهادة ونالها على أرض المعركة، وظلت رسالته في الوجدان على الدوام،، ومروراً بالعيش الواحد والأخوة الإسلامية – المسيحية، التي حدت بمعلم من أشقائنا المسيحيين أن يعتلي منبر المسجد في بلدة (عي) بمحافظة الكرك ليخطب ويناشد الناس لجمع التبرعات من أجل إنشاء أقنية للمياه في البلدة المذكورة.. ومروراً أيضاً بالمواقع الأثرية المسيحية المعتمدة للحج مثل المغطس ومادبا وغيرها.. ومروراً بمعسكرات الحسين للشباب التي كان أبناؤنا خلالها يشكلون ظهيراً لجيشنا العربي المقدام.. ووصولاً إلى الكثير من المحطات الإيجابية التي سجلت سطوراً لا تنسى في سجل السردية الوطنية الأردنية.
ويقتضي الإنصاف القول بأن وزير الثقافة الأستاذ مصطفى الرواشده قد حالفه التوفيق وهو يعيد توصيف مشروع السردية الوطنية ومرتكزاته الأساسية المتمثلة بالأرض والإنسان والمآثر البهية.. مثلما كان الفَلاَحُ حليفه أيضاً وهو يضع برنامجاً واسعاً يتضمن ندوات وحوارات ولقاءاتٍ بمشاركة شباب الوطن..
ويستثمر الثقافة كقوة ناعمة وفاعلة في الوقت ذاته على طريق مواصلة النهضة والتقدم في بلدنا العزيز أسوة بالدول المتطورة التي زرعت بذور الجهود المخلصة فحصدت محصولاً وافراً من النهضة والتقدم!
وبهذا الصدد، استذكر ما قاله السيد مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق حين سُئل عن أسبب ومرتكزات النهضة في بلاده، حيث قال إن الدولة الماليزية وضعت نُصب عينيها أهمية الثقافة والتعليم ودورهما في نهضة البلاد.. فاهتمت بالرواد والعاملين المخلصين والذين ردوا الجميل للدولة، بأن أنشأوا جيلاً فاعلاً ومثابراً ونظيف اليد والسريرة فحقق هذا الجيل نهضة واسعة عمّت كافة أرجاء ماليزيا.
وأستذكر أيضا إشارة رمزية طريفة لها دلالاتها العميقة، رواها صديق لي من كوريا الجنوبية ذات يوم، فقال إن اليابان وبعض الدول في جنوب شرق آسيا والتي يمكن تصنيفها في إطار الدول المتقدمة قد أسندت لمجالس التعليم والثقافة التابعة لوزارات الثقافة عندهم، مهمة إصدار رخص اقتناء السيوف، بحيث أصبح مألوفاً لديهم بأن السيف وهو القوة الصلبة، لم يجد غضاضة في التعاون مع رفيقه الحرف وهو القوة الناعمة، والعمل يداً بيد من أجل عيون الوطن ونهضته وتقدمه! وهذا ما تحقق بالفعل!!
وفي الختام،، أجدني ميالاً لاستعارة بيتين من قصيدة مشهورة بعنوان (التضامن العربي) للشاعر اللبناني المعروف بشارة الخوري، لأن مدلولهما يتناغم مع كُنه ومدلول سرديتنا الوطنية، ويقول البيتان:
سائل العلياء عنا والزمانا هل خفرنا ذمةً مُذْ عرفانا
المروءات التي عاشت بنا لم تزل تجري سعيراً في دمانا
بقي أن أقول: مرحى للوزير .. والمؤرخ .. والنقابي الأستاذ مصطفى الرواشدة الذي أخذ على عاتقه 'لضْم' وتوثيق المروءات التي عاشت بنا في سياق مشروع وطني كبير هو السردية الأردنية.
نعم.. مرحى كبيرة تعادل في حجمها توق الأرض وشوق الإنسان لمآثر الأجداد والآباء والقامات الباسقة عبر ملايين السنين!!

























































