اخبار سوريا
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٣٠ حزيران ٢٠٢٦
تحاور الصحافية مرام فليحان رسام الكاريكاتور السوري سعد حاجو، عقب معرضه الفردي في دمشق 'رئيس بلا سبب، قلة أدب'، في حديث عن البدايات، والتقاطعات الحادة بين الفن والسياسة، والمنفى، وتحولات المرحلة الحالية وتعقيداتها.
أينما تشاركنا الخطى في دمشق أنا وفنان الكاريكاتور سعد حاجو، كنت أستكشف مدينة مغايرة تماماً عن تلك التي أعيشها؛ مدينة ظلت طازجة وبرّاقة في مخيلته وحده. كان يروي لي عن أزقةٍ، ومهنٍ، ويافطاتٍ لم أرها في حياتي أبداً، فسنوات غيابه عن البلاد تكاد تعادل عمري بكامله. تنقلنا في الأحياء، وراح يدلّني بلهفة على مواقع مقاهٍ ومحالّ كانت الأقرب إلى قلبه في وسط العاصمة، ليجد أن محالاً للأطعمة أو الأحذية قد فتحت بدلاً منها. يقتفي أثر بيوتٍ سكنها رفاق شبابه في المزة والقصور وجرمانا بعدما تبدلت ملامحها وقاطنوها، ويستحضر خطوط الحافلات وسير النقل العام التي وجدها قد أُلغيت تماماً. حتى موقع دراسته طاوله التبدل، فكلية الفنون الجميلة التي تخرّج فيها هجرت ساحة التحرير لتستقر في منطقة البرامكة.
على الرغم من أن أعماله طافت، طوال أكثر من عقدين، في معارض دولية عدة، وأُدرجت في إصدارات بارزة مثل 'بلاد العنف أوطاني' و'حاجو بَقَى'، فإن الاغتراب لم يمنعه من تشريح الشأن السوري بدقة؛ إذ تمسّك بفن الكاريكاتور كسلاح فريد واجه به ممارسات السلطة؛ آخذاً عهداً على نفسه منذ بداية الثورة؛ بتوثيقها برسومات يومية حتى سقوط الطاغية. واليوم، يجمع حاجو تلك الشظايا الفنية ويعود بها إلى مسقط رأسه، متسائلاً ومستكشفاً المتغيرات التي فاتته خلال 21 عاماً.
هذه المشاعر والأسئلة حطّت رحالها أخيراً عبر كتاب ومعرض نوعي أقيم بالتعاون مع مؤسسة 'ذاكرة إبداعية للثورة السورية' حمل عنوان: 'رئيس من دون سبب… قلة أدب'. يضم المشروع قرابة 60 عملاً كاريكاتورياً تختزل عهديّ الأسد؛ الأب والابن، وتوثّق خصوصاً سنوات الثورة السورية؛ تبرز من بينها لوحات لافتة مثل: 'فرخ البط'، 'مصاص المجازر'، 'طير وفرقع يا بشار'، و'بشار الكيماوي'.
حول هذا المشروع الفني الاستثنائي، بمفارقاته الشائكة وصعوباته، خضت مع الفنان سعد حاجو حواراً مطوّلاً، تشعّبَ فيه حديثنا بين البدايات، والتقاطعات الحادة بين الفن والسياسة، والمنفى، وتحولات المرحلة الحالية وتعقيداتها.
نبدأ من الجذور؛ هذه التوليفة الفريدة في أعمالك، والتي تجمع بين موهبة الرسم والجرأة السياسية، كيف تشكلت ملامحها الأولى؟
لقد نشأتُ في منزلٍ تميّز بالفن وخفة الظل؛ فوالدتي كانت تكتب وترسم، ووالدي كان متابعاً سياسياً يمتلك حساً ساخراً عالياً، وأعتقد أنني حصيلة امتزاج هذين الأثرين. الشغف بالفنون كان حالة جماعية داخل أسرتنا، فنحن ستة أشقاء وجميعنا يمارس الرسم ويهتم بالثقافة. وعلى الرغم من هذا، واجهتُ في البداية معارضة من والديّ عندما قررتُ دراسة الفن واحترافه؛ إذ كان والدي يرى أن 'الفن ما بطعمي خبز'، لكني تمسكتُ بخياري وأصررتُ على رغبتي.
بالحديث عن الجذور؛ أصولك كردية، هل عشت أي نوع من التمييز أو واجهت وضعاً خاصاً بصفتك كردياً نشأ وتعلّم في العاصمة دمشق؟
لقد ولدتُ وعشتُ في دمشق، لذلك فإن انتمائي الكامل هو لهذه المدينة التي شكلت هويتي وثقافتي. في العاصمة، لم نشعر بتمييز مباشر كأكراد، لكن عائلة والدي عانت كثيراً في الماضي؛ إذ ينتمي أبي إلى عائلة عشائرية عريقة من بلدة القحطانية التابعة للقامشلي في الشمال السوري، وكانت عائلته ثرية وتمتلك أراضي وعقارات واسعة قبل أن تفقد معظمها بسبب قانون الإصلاح الزراعي. وعلى الرغم من البُعد الجغرافي عن القامشلي، لم نكن منفصلين تماماً عن أصولنا الكردية، لكن الأهل لم يعلمونا اللغة الكردية ولم نتحدث بها داخل المنزل، وكان ذلك غالباً مدفوعاً بظروف الحذر السائدة آنذاك.
كيف تقيّم تجربتك الأكاديمية في كلية الفنون الجميلة بدمشق؟ وهل جاءت على مستوى توقعاتك من حيث اكتساب الخبرة وفتح الآفاق المهنية؟
كان معروفاً عن كليتنا آنذاك، للأسف، أنها 'كلية الواسطات'، وكان هناك بالفعل قطاع من الطلاب غير مؤهلين فنياً لدخولها، ولهذا لم تكن الخيار الأمثل للكثيرين. لكن من وجهة نظري، عشتُ فيها فترة ذهبية من حيث جودة التعليم؛ بفضل وجود فنانين كبار وأساتذة عمالقة قدموا لنا التوجيه الحقيقي، مثل نذير نبعة، وإلياس زيات، ومحمود حماد.
اخترتُ التخصص في قسم التصوير الزيتي، لكني لم أبتعد عن باقي الأقسام، وبخاصة قسم التصميم الذي يشكل صلب عملي اليوم. وقد كنتُ محظوظاً في بداية مرحلتي الجامعية حين بدأتُ أول عمل احترافي لي في جريدة 'الحرية' التي تصدر في لبنان؛ إذ رسمتُ لوحة أعجبت رئيس التحرير، فطلب مني الرسم شهرياً لصالح غلاف الجريدة براتب ممتاز وقدره 2000 ليرة سورية. حينها اكتشفتُ أن الفن لا يلبي حاجتي النفسية ورسالتي فقط، بل 'بطعمي خبز' أيضاً، وكان مهماً جداً بالنسبة إلي أن أثبت هذا الأمر لوالدي ولنفسي.
وأذكر أيضاً في عام 1983، عندما أصدر الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم عددين من تجربة صحافية باسم جريدة 'الوطن'، ونشر لي فيهما رسومات كنت أنتقد فيها حزب البعث بشكل مبطن، وكتب آنذاك عبارة مشجعة: 'تذكروا هذا الاسم'. والمفارقة الساخرة أنني التقيته في لبنان بعد 15 عاماً، وكان هو ذاته قد نسيني تماماً!
متى بدأ توجّهك السياسي واحتكاكك الفعلي بالشأن العام؟ وما الذي دفعك الى إقحام ريشتك في دهاليز السياسة مبكراً؟
بدأ اهتمامي بمحاولة فهم الوضع السياسي باكراً منذ المرحلة الثانوية؛ ففي ذلك الوقت، كنت أتابع بدقة تجارب رواد الكاريكاتور في سوريا، أمثال علي فرزات، وعبد الهادي الشماع، وناصر نعساني، وحميد قاروط. وبعد احتكاكي المباشر مع بعض هؤلاء الأساتذة، أدركتُ في سن مبكرة غياب حرية التعبير في هذا البلد. لاحقاً، ساعدتني انطلاقتي في جريدة 'الحرية' اللبنانية على فهم السياسة وتفكيك أبعاد 'البورتريه السياسي' بشكل أعمق.
وفي مقتبل شبابي، تقاطعت طرقي مع أصدقاء وزملاء يساريين، لكنهم كانوا من اليسار الذي ينضوي تحت مظلة 'الجبهة الوطنية التقدمية'؛ فابتعدتُ عنهم مبكراً ورفضتُ الانخراط في أي إطار أو كيان يبرر وجود حافظ الأسد على رأس السلطة. مع دخولي الجامعة، تعمق هذا الشغف؛ إذ اطلعتُ على مدارس الفنون السياسية العالمية، وبخاصة الكاريكاتور، فنضجت معارضتي السياسية في وقت مبكر جداً، وبات قاطعاً بالنسبة لي أن منظومة الحكم تسير بالبلاد في الاتجاه الخاطئ.
بعد تخرجك وزواجك، اتخذتَ من لبنان مكاناً للإقامة والعمل بدءاً من عام 1993، وعشتَ فيه قرابة عشر سنوات متقطعة. كيف تصف تجربتك المهنية هناك؟ وما الذي قدمته بيروت لمشروعك الفني؟
لقد أدركتُ مبكراً أن سقف الحرية في سوريا لا يناسب طموحاتي وريشتي التي تبحث عن مساحة نقد أوسع. بدأتُ النشر في الملحق الثقافي لجريدة 'النهار' مع الأديب إلياس خوري عام 1993، وصرتُ شبه مستقر في لبنان، ثم انتقلتُ بعدها بسنتين إلى جريدة 'السفير'، واستمر عملي فيها لعشرين عاماً، كان نصفها عن بُعد بعد انتقالي إلى السويد.
التعددية السياسية ومشاركة السلطة في لبنان جعلتا سقف الحرية عالياً جداً، ولهذا أعتبر أن أساس مهنتي صِيغ هناك؛ فبالنسبة الى رسام قادم من سوريا، كان هذا الهامش عظيماً وأتوق إليه بشدة؛ إذ رسمتُ رئيس الجمهورية اللبناني ومعظم السياسيين كرفيق الحريري، كما أصابت ريشتي معظم الأحزاب؛ لم تكن علاقتي جيدة مع حزب الله مثلاً، وبدأتُ من هناك أقترب أكثر من تشريح الشأن السوري بجرأة أكبر. لقد عشنا في بيروت سنوات مليئة بالفن، والمتعة، والمغامرات، وكنا محاطين بقامات مبدعة مثل زياد الرحباني وكارمن لبس وغيرهما، ممن تركوا أثراً كبيراً في مسيرتي وتجربتي.
لاحقاً، وبينما كنتُ أشارك في معارض خارجية كان آخرها في السويد، تملّكني شعور بأنني لن أعود إلى المنطقة؛ وتزامن ذلك مع تغيرات سياسية متسارعة في لبنان وبداية نقد مباشر وعالٍ مني تجاه النظام في سوريا، فقررتُ الاستقرار في السويد عام 2004. وكوني فناناً أعمل في السياسة، سهّل ذلك إجراءات إقامتي وحصولي على الجنسية السويدية بعد أربع سنوات فقط.
بالانتقال إلى المنعطف الأبرز في مسيرتك؛ كيف غيرت الثورة السورية مجرى حياتك الفنية؟ وما الذي دفعك الى فرض التزام يومي وصارم بالرسم المباشر ضد بشار الأسد، وما المعايير الفنية والرقابة الذاتية التي وضعتها لنفسك؟
كانت الثورة السورية بالنسبة إلي انعطافة حاسمة غيّرت مجرى حياتي الشخصية والفنية كلياً؛ كنتُ أتابع أحداث الربيع العربي في الدول الأخرى كحدث سياسي، ولكن عندما وصلت الشرارة إلى سوريا وتحديداً إلى درعا، تحول الأمر إلى قضية وجودية وشعرتُ بمسؤولية كبيرة. منذ اليوم الأول، اتخذتُ قراراً قاطعاً بالاستغناء تماماً عن أساليب الاستعارة، والكناية، والتورية البصرية، وقررتُ الاعتماد على المواجهة والمباشرة الصادمة.
تُرجم ذلك في أولى رسوماتي في نيسان/ أبريل 2011، حيث استعرتُ مقولة للفنان الراحل نهاد قلعي لأقول: 'إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في سوريا، فعلينا أولاً أن نعرف ماذا جرى في درعا'. وعندما هتف المتظاهرون في الشام بأغنية 'طير وفرقع يا بشار'، رسمتُ بشار الأسد ورأسه ينفجر بوشاراً، ومنذ تلك اللحظة صرتُ أرسم بشكل يومي مكثف؛ فهذا الالتزام اليومي كان يمنحني جدوى فنية ومعنوية هائلة.
لقد تسلّحتُ في هذه المواجهة بالمخزون اللغوي والشعبي المحلي، فنحن كشعب سوري نمتلك روح نكتة فطرية قوية جداً. لكن في المقابل، يمكن تصنيفي كرسام كاريكاتور جاد؛ فالسخرية وقت المأساة نضال حقيقي يحتاج الى نفس طويل وخيال خصب، ولهذا فرضتُ على ريشتي تحكّماً ذاتياً وصارماً. كنت أضع أمامي أهدافاً واضحة، أبرزها الخروج من نطاق 'الشعبوية' في التعاطي مع الديكتاتور؛ لأنني في لحظات معينة شعرت بأن الأمور اختلطت، وظهرت موجة تسخر منه بوصفه 'أبله' أو يلدغ مثلاً. أنا ضد هذه السخرية التسطيحية لأنها تُسخّف المشهد، وتُبعد المتلقي عن جوهر الدموية والإجرام الذي ارتكبه الطاغية، بل إن تصويره كأبله قد يُخفف من مسؤوليته المباشرة عن كل ما حدث. هذا المشتهى الشعبي في التشفّي والسخرية السطحية مفهوم، لكني رفضت الانجرار وراءه، وجعلتُ الأفعال والحدث السوري الواقعي هما القائد والموجه لمشروعي الفني بالكامل، مبتعداً عن نقل مشاهد الدم أو السقوط في الابتذال. أنا اليوم راضٍ تماماً عن تجربتي وعن كل ما أنتجته؛ وعلى الرغم من أن كل نتاج بشري يحتمل النقد والمراجعة، إلا أن الثورة في لحظتها كانت بمثابة انفجار حقيقي أعاد صياغة هويتي الفنية بالكامل، وبذلت فيه كل ما عندي.
كيف كانت كواليس عودتك المفاجئة إلى سوريا؟ وكيف تبلورت فكرة جمع رسوماتك الممتدة طوال سنوات الثورة لتتحول إلى هذا المعرض والكتاب؟
عدتُ إلى سوريا بعد أسبوعين فقط من سقوط النظام؛ وتزامن ذلك مع نهاية جولة معرضي في القاهرة، الذي حمل عنوان: 'أنا لا أفكر في الرجوع إليه'، ولكنني رجعت! رجعتُ كلّي شوق وحنين وجلتُ أماكن كثيرة عشوائياً، لكني عندما ضللتُ الطريق إلى منزلي في مساكن برزة، شعرتُ بصدمة حقيقية كانت بمثابة صفعة. في تلك اللحظة، تذكرتُ العبارة الأخيرة التي قالتها لي أمي وهي تودعني في المرة الأخيرة: 'يا سعد أنت بتنسى لأنك برّا، وأنا بنسى لأنّي جوّا'. يبدو أنني كنتُ أستخدم النسيان كآلية دفاعية نفسيّة، ولكنني دائماً، وجدتُ نفسي أعود إلى سوريا بشكل أو بآخر، فقررتُ أن أواجه ذاكرتي عبر الكتاب.
فبدلاً من أن يظل هذا الجهد مبعثراً، رأيتُ أن من حقّه التكريم والتنظيم لكي أشاركه مع الناس. وبما أن قسماً من أعمالي كان مؤرشفاً لدى مؤسسة 'ذاكرة إبداعية للثورة السورية'، بدأتُ أفكر في البداية بإصدار كتاب فور سقوط النظام؛ فتواصلتُ مع سنا، مؤسسة ومديرة ذاكرة ابداعية، وشرعنا في جمع الرسومات والبحث وراء سياق وتاريخ كل حدث رسمتُه لأكتبه تحت اللوحة من باب الأرشفة والتوثيق، الأمر الذي نقل الأعمال إلى مستوى توثيقي آخر. لكن سنا شجعتني بقوة على خطوة إقامة المعرض، وكانت أول من أصرّ على أن يُقام داخل المتحف الوطني بدمشق تحديداً.
اخترتَ لمعرضك وكتابك عنواناً لافتاً ومثيراً للجدل: 'رئيس من دون سبب… قلة أدب'. ما الفلسفة وراء هذا الاسم؟ وكيف تقرأ النقاشات والتفسيرات الكثيرة التي دارت حوله على وسائل التواصل الاجتماعي؟
عندما كنا صغاراً، كانوا يرددون على مسامعنا دائماً المثل الشعبي: 'الضحك من دون سبب قلة أدب'. ومنذ الطفولة، تبدأ مواجهتنا مع السلطة من الأهل ومدير المدرسة وصولاً إلى أعلى هرم السلطة؛ لذلك أردتُ قلب السحر على الساحر، والقول إن وجود 'رئيس' من دون سبب، ومن دون شرعية، وضد رغبة الناس، هو 'قلة الأدب' الحقيقية.
وفن الكاريكاتور بطبيعته حمّال أوجه وتفسيرات متعددة، وقد تابعتُ تفسيرات وتحليلات متباينة كثيرة حول هذا الاسم، ونقاشات دارت بسببه، بخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي. بالنسبة إلي، أرى هذا الجدل ظاهرة صحية وممتازة؛ فأنا قمت بواجبي وقدمت رسالتي الفنية، ومن حق كل متلقٍّ أن يرى العمل ويقرأ العنوان من زاوية رؤيته الخاصة.
كنتَ تقول سابقاً إنك تتمنى حدوث تداول سياسي في السلطة لكي ترسم رئيساً جديداً كل فترة؛ ولكن، ماذا تجيب من يسألك اليوم: لماذا لم نلمس وفرةً في رسوماتك ونشرك بعد تسلّم الرئيس الشرع، على الرغم من وجود ملفات كثيرة قابلة للنقد؟
صراحةً، كان تركيزي بالكامل منصبّاً على إنهاء المعرض وإطلاقه؛ لأنني أراه مشروعاً مكتمل المعنى، وهو الأساس الصحيح الذي يجب أن ننطلق منه، ومن حقّه أن يأخذ وقته كاملاً. أما بالنسبة الى الفترة التي تلت سقوط النظام وحتى الآن، فقد أنجزتُ بعض الأعمال بالفعل، لكن عدم وفرتها يعود صراحةً إلى حالة الاستقطاب الحاد الموجودة حالياً في سوريا؛ فالاستقطاب يحجب القدرة على التلقّي السليم. أي فكرة أريد طرحها اليوم، سواء عن المجازر، أو آليات عمل الإعلام، أو دور 'التيك توكرز' والذباب الإلكتروني، وتخوين الناس وتشبيحهم، وصولاً إلى فقاعات الاختبار التي تطلقها الحكومة بطرح القرارات ثم سحبها، لا أريد للمتلقي أن يرفضها ويلغيها لمجرد أنه يمتلك حواجز مسبقة.
لذلك، لا أزال أدرس الطريقة المثلى لمخاطبة الجمهور؛ لأنني رأيت فنانين ومؤثري ثورة حقيقيين كثراً دخلوا في حالة انطواء بسبب الهجوم غير المبرر عليهم، وبخاصة ضد الثوار القدامى مثل الفنان سميح شقير، الذي كانت أغنيته 'يا حيف' نبض الثورة، ومع ذلك اضطر للانطواء بسبب هذا الاستقطاب الرقمي. برأيي، نحن نحتاج حالياً إلى منصات محلية مستقلة، كما أرى أن الفنانين الشباب هم الأولى بالتعبير عن هذه اللحظة الحالية. هناك أسئلة كثيرة تدور في ذهني حول الجدوى، لكني مستمر، والوضع السوري يظل هاجسي الدائم، وعندما أضع يدي على آليات العمل والخطاب المناسبة سأعود بقوة.
ما أبرز الظواهر التي لاحظتَ أنها لا تزال باقية في الشارع السوري؟ وما الذي فاجأك واستوقفك في سيكولوجية المواطن السوري اليوم؟
في الواقع، أنا معجب جداً بجميع من صمد طوال سنوات الثورة في سوريا، هذا أولاً. أبرز ما لاحظته هو أن جزءاً كبيراً من حاجز الخوف لدى الناس قد انكسر، وتحديداً على مستوى النقاشات والحوارات المفتوحة في الأماكن العامة. كما لفتني أن النساء السوريات كُنّ وما زلنَ المحرك الأساسي لجميع المفاصل الحيوية في المجتمع؛ وعلى الرغم من قلة وجودهن في المناصب الحكومية، إلا أن المرأة السورية هي البطل الخفي في المشهد دائماً.
في المقابل، وجدتُ المجتمع يعيش حالة انفصال طبقي واضحة؛ بين فئة قليلة مقتدرة ماديّاً، وفئة غالبة تغلب عليها حاجة اقتصادية وتعب عميق، وهذا يستدعي حلول طوارئ عاجلة. ومما فاجأني وآلمني، أنه لا يزال هناك نوع من التملق و'تمسيح الجوخ' في بعض الأوساط، ولا تزال هناك طبقات من الحذر، حتى أن المواطن بات يحذر من نظيره المواطن، فضلاً عن توجسه التلقائي من أي عنصر حكومي، أو شرطي مرور حتى. ومع ذلك، لاحظتُ أن الناس يعملون بجهد مضاعف؛ ولا أعلم إن كان الدافع وراء ذلك اقتصادياً بحتاً، أم هو شعور عام بأن سنوات طويلة من أعمارهم قد ضاعت ويحاولون اليوم تعويضها بشتى السبل.
ختاماً؛ كيف تبدو نظرتك الى الغد في سوريا؟ وكيف يرى سعد حاجو المستقبل وسط كل هذه الضبابية؟
فعلاً الواقع الحالي ضبابي، وسقف الحرية غير واضح، بينما الأمان بالنسبة الى الفنان هو الوضوح؛ نحن نعيش مرحلة انتقالية تبدو في أحيان كثيرة 'غير انتقالية'. أنا فعلياً مرهق حالياً، وأعيش نوعاً من الإرهاق والتساؤلات الحادة حول الجدوى، وأشعر بالحاجة الى شحن طاقتي، لذلك أحاول 'الهرب' مؤقتاً نحو مشاريع بديلة لأستمد منها القوة، مثل كتابة الأغاني ومشروع 'ميلودراما'.
مع تقدم العمر، أدركتُ بتواضع أن هناك حداً لمعرفتي بالأمور وقدرتي على استيعابها، وليست لدي إجابات عن كل أسئلة هذه المرحلة، ولا ينبغي أن تكون عندي. وعلى الرغم من كل شيء، لا أزال إنساناً متفائلاً بطبعي؛ غير أن تفاؤلي ليس مجرد أمنيات وتوقعات غيبية، بل هو تفاؤل مبني على الفعل والعمل؛ فالمستقبل شيء يتطلب منا جميعاً المساهمة في صنعه، وليس جائزة مجانية ننتظرها بلا حراك.




































































