اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
كتب ناصر قنديل في البناء
تُظهر الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة وإيران ومحور المقاومة من جهة أخرى، أن الصراع لم يكن مجرد تبادل ضربات عسكرية، بل مواجهة بين استراتيجيتين مختلفتين تمامًا: خطة أميركية – إسرائيلية سعت إلى حسم سريع عبر إسقاط النظام الإيراني وشل قدراته العسكرية والاقتصادية، وخطة إيرانية اعتمدت على تحويل الحرب إلى استنزاف طويل يضغط على الاقتصاد العالمي ويستنزف القدرات العسكرية للخصوم. ومع مرور الوقت، بدأت نتائج كل من الخطتين تظهر بوضوح في الميدان وفي الاقتصاد العالمي.
بدأت الخطة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب من فرضية أن الضربة العسكرية الواسعة يمكن أن تفتح الطريق أمام تغيير النظام في إيران. فقد دعا ترامب الإيرانيين صراحة إلى “الانتفاض ضد النظام”، كما وجّه رسائل مباشرة إلى الحرس الثوري يدعوهم فيها إلى التخلي عن القيادة السياسية والعسكرية. لكن هذه الرهانات لم تتحقق. فبدلاً من ظهور انقسامات داخل النظام، أظهرت الأسابيع الأولى للحرب تماسكًا داخليًا ملحوظًا في إيران، مع استمرار مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية في العمل بصورة طبيعية، وظهور القيادة السياسية والعسكرية في العلن، بما في ذلك مشاركات علنية في مناسبات عامة مثل يوم القدس في طهران. وبذلك سقط الرهان الأول للخطة الأميركية: إسقاط النظام من الداخل تحت ضغط الحرب.
المرحلة الثانية من الخطة الأميركية كانت تحييد القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصًا القوة الجوية والبحرية. وقد أعلن ترامب في تصريحات عدة أن الضربات الأميركية والإسرائيلية “دمرت قدرات إيران الجوية والبحرية”. غير أن التطورات الميدانية سرعان ما كشفت حدود هذا الادعاء. فالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية استمرت في الانطلاق بوتيرة مرتفعة نحو “إسرائيل”، ووصل عدد كبير منها إلى أهداف داخل الأراضي الإسرائيلية رغم منظومات الدفاع الجوي المتعددة الطبقات. وفي الخليج، ظهرت الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري في عمليات ضد الملاحة، وصولًا إلى تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز في مراحل عدة من الحرب. وهكذا تحولت القوة البحرية الإيرانية، التي قيل إنها انتهت، إلى عنصر ضغط استراتيجي على الاقتصاد العالمي.
أما الركن الثالث من خطة ترامب فكان احتواء صدمة الطاقة العالمية. فقد أعلن أن الولايات المتحدة ستعتمد على ثلاثة إجراءات متتالية: السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي، ثم تخفيف القيود على النفط الروسي، ثم تشكيل تحالف دولي لضمان أمن الملاحة في الخليج. لكن النتائج جاءت مختلفة عما كان متوقعًا. فالتوتر في مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، أدّى إلى قفزات حادة في الأسعار وتقلبات كبيرة في الأسواق المالية. كما أن التحالف الدولي المقترح لتأمين الملاحة لا يبدو أنه سوف يبصر النور، وسعر برميل النفط على ارتفاع يؤكد فشل خطط الاحتواء.
في المقابل، اعتمدت إيران خطة مختلفة تقوم على تحويل نقاط القوة الأميركية إلى نقاط ضعف. الركيزة الأولى في هذه الخطة كانت استهداف البنية العسكرية الأميركية في الخليج، وتدمير البنى التحتية المعلوماتية والاستخبارية والتكنولوجية التي تدير المصالح والحروب في كل العالم التي تتخذ من الخليج مقراً لها، ليس بالضرورة عبر تدميرها الكامل، بل عبر جعلها عرضة للخطر الدائم. وقد تحوّلت القواعد الأميركية المنتشرة في الخليج إلى أهداف محتملة للصواريخ والطائرات المسيّرة، ما وضع دول الخليج أمام معادلة جديدة: استمرار الحرب يعني أن النموذج الاقتصادي الخليجي القائم على الاستقرار والأمان قد يصبح مهددًا.
الركيزة الثانية في الخطة الإيرانية كانت استخدام الاقتصاد العالمي كساحة ضغط. فبدل مواجهة القوة العسكرية الأميركية مباشرة، سعت طهران إلى تحويل مضيق هرمز إلى أداة استراتيجية. تعطيل الملاحة أو التهديد بها جعل أسواق النفط والغاز في حالة توتر مستمرّ، وهو ما يضغط على الاقتصادات الغربية وعلى الأسواق المالية العالمية. ومع كل ارتفاع في أسعار الطاقة، وقد تجاوز الـ 50% وهو يتزايد ومعه يترفع الضغط السياسي داخل الدول الغربية لإنهاء الحرب.
أما الركيزة الثالثة والأكثر أهمية فكانت استنزاف مخزون الذخائر الدقيقة ومنظومات الدفاع الجوي لدى الخصوم. فقد اعتمدت إيران ومحور المقاومة على تكثيف إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتنسيقها بين إيران وحزب الله، ليس فقط لتحقيق إصابات مباشرة، بل أيضًا لإجبار “إسرائيل” وحلفائها على استهلاك كميات ضخمة من صواريخ الدفاع الجوي باهظة الثمن. ومع دخول حزب الله على خط المعركة عبر إطلاق صواريخ من الجبهة اللبنانية، اتسع نطاق الضغط على منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية. وقد بدأ أثر هذه الاستراتيجية يظهر تدريجيًا. ففي الأسبوع الأول من الحرب كانت نسبة الاعتراض العالية تعطي انطباعًا بأن منظومات الدفاع الجوي قادرة على احتواء الهجمات. لكن مع دخول الأسبوع الثالث بدأت تقارير إسرائيلية تتحدث عن ازدياد عدد الصواريخ التي تخترق الدفاعات وتصل إلى أهداف داخل المدن الإسرائيلية. وهذا التحول يعكس أحد أهداف الاستراتيجية الإيرانية: تحويل الدفاع الجوي إلى معركة استنزاف طويلة.
في حرب العقول تتحدث النتائج عن الرابح والخاسر، و”الخير لقدّام”.











































































