اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٤ أذار ٢٠٢٦
الجبهة تشتعل من جديد.
واشنطن وتل أبيب تدفعان بالمعركة نحو قلب إيران، بعد أسابيع من الحشد العسكري الكثيف الذي تمدّد على البحار والممرات الحيوية، بينما العواصم الخليجية تكرر تعهدها بالوقوف خارج دائرة النار، وتحسم موقفها بأن أراضيها وأجواءها ليست منصات لحرب أحد.
لكن الانفجار وقع رغم ذلك.
الصواريخ الإيرانية عبرت المسافات واستقرت فوق مدن في الإمارات وقطر والكويت والبحرين والأردن، ثم امتدت إلى الداخل السعودي، مستهدفة منطقتَي الرياض والشرقية. الدفاعات الجوية السعودية أعلنت التصدي، والبيان الرسمي خرج بعبارات مشددة تصف الهجمات بالسافرة والجبانة، وتضعها في خانة العدوان غير المبرر.
الرياض شددت على أن الاستهداف جاء رغم إبلاغ طهران بموقف واضح: الأجواء السعودية ليست معبراً لأي عملية ضد إيران. الرسالة السابقة تحولت الآن إلى حجة سيادية في مواجهة الصواريخ.
المملكة أكدت احتفاظها بحق اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، بما في ذلك خيار الرد. اللغة بدت حازمة، واثقة، خالية من الالتباس.
تحرّك محمد بن سلمان سريعاً. اتصالات متتالية مع القادة في الدول المستهدفة، تأكيد على تضامن كامل، استعداد لوضع الإمكانات في خدمة أمنهم. الاعتداء على عاصمة خليجية يُقرأ باعتباره مساساً بالبنية الجماعية للأمن الإقليمي. المشهد يتجه نحو صياغة موقف موحد تحت ضغط النار.
الحياد الذي التزمت به دول المجلس طوال الأسابيع السابقة كان موقفاً سياسياً محسوباً. تكرار الإعلان عن رفض استخدام الأجواء في أي عملية ضد إيران شكّل قاعدة اشتباك دبلوماسية. التقارب مع طهران ظل رهناً بسلوكها الإقليمي واحترامها لسيادة الجوار. الصواريخ الأخيرة دفعت العواصم إلى إعادة تقدير المسافة بينها وبين ساحة القتال.
الصمت الخليجي حيال الضربات الأميركية حمل دلالته. بيانات الإدانة انصرفت إلى توصيف الاستهداف الإيراني وحق الرد، فيما بقيت الحرب الدائرة خارج النص الرسمي، باستثناء سلطنة عمان التي كانت تقود وساطة شاقة قبل أن تتهاوى. الانهيار لم يكن تقنياً، بل سياسياً؛ مسار الوساطة اصطدم بإصرار إيراني على توسيع الاشتباك.
خطاب طهران عن سقوط الخطوط الحمراء يعكس انتقالها إلى مرحلة مفتوحة من المواجهة. في المقابل، برزت في النقاش الخليجي خيارات كانت مؤجلة: مراجعة القيود المفروضة على استخدام القواعد والأصول الأميركية، وإعادة النظر في إدارة الممرات الجوية. هذه الأفكار خرجت من الهامش إلى الطاولة، مدفوعة بإحساس بأن الحياد يفقد جدواه حين تصبح العواصم أهدافاً مباشرة.
التباينات الخليجية التقليدية انحسرت أمام ضغط الحدث. مفهوم الأمن الجماعي عاد إلى الواجهة بصيغته الأولى: أي اعتداء على دولة من المجلس يُقرأ باعتباره اعتداءً على الكل. مجلس التعاون لدول الخليج العربية أعلن تضامناً كاملاً، وأكد الوقوف صفاً واحداً، مع احتفاظ الدول بحق الدفاع عن النفس وفق ميثاق الأمم المتحدة. اللغة جاءت جامعة، مشبعة بإرادة الردع.
مقارنة سريعة مع العام الماضي تكشف حجم التحول. حين تعرضت إيران لهجمات خارجية آنذاك، صدرت إدانات خليجية دفاعاً عن الاستقرار الإقليمي. اليوم يتقدم توصيف الاستهداف الإيراني للأراضي العربية على أي موقف آخر. التركيز ينصب على السيادة، وعلى حق الرد، وعلى كلفة العبث بأمن الخليج.
قطر، المعروفة بقنواتها المفتوحة مع طهران، استخدمت لغة حادة في توصيف الهجمات على أراضيها، وتجنبت الخوض في الحرب الأوسع. هذا التوازن يعكس إدراكاً لحساسية اللحظة، ورغبة في إبقاء باب السياسة موارباً، مع تسجيل احتجاج صريح على السلوك الإيراني.
استراتيجية توسيع الصراع تبدو محاولة إيرانية لإعادة توزيع الضغط، وتحويل المعركة إلى معادلة إقليمية أكثر تعقيداً. الرهان يحمل مجازفة ثقيلة. استهداف الرياض والمنطقة الشرقية، إلى جانب العواصم الخليجية الأخرى، يراكم خصومات جديدة ويعزز عزلة النظام في لحظة توتر قصوى.
المشهد يتشكل على إيقاع تصاعدي. إيران تجد نفسها أمام جبهة أوسع مما خططت له، والخليج يعيد تعريف حياده تحت النار. القرار المقبل لن يكون تقنياً، بل سياسياً بامتياز، وستتحدد ملامحه بقدر ما تفرضه الصواريخ من وقائع على الأرض.











































































