اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ١٨ حزيران ٢٠٢٦
أعادت قرارات رئيس السلطة محمود عباس الخاصة بانتخابات المجلس التشريعي والمجلس الوطني ملف الانتخابات إلى صدارة النقاش السياسي، بعد سنوات من تعطيل السلطة في رام الله المؤسسات المنتخبة وغياب الاستحقاقات الديمقراطية. لكن هذه العودة تأتي وسط حرب إبادة إسرائيلية مستمرة على قطاع غزة، وتصعيد في سياسات التهويد والاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، واستمرار الانقسام الفلسطيني، ما يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت الانتخابات المقبلة ستشكل مدخلا للتغيير أم محطة جديدة في إعادة إنتاج الواقع القائم.
تزامنت هذه العودة مع سلسلة من القرارات والتعديلات القانونية التي أعادت رسم ملامح النظام الانتخابي الفلسطيني، وسط جدل سياسي وقانوني بشأن قدرتها على معالجة أزمات التمثيل والشرعية التي تراكمت خلال السنوات الماضية.
غير أن مراقبين يرون أن هذا المسار الانتخابي، في سياقه العام، يميل إلى إعادة ترتيب الواقع الفلسطيني القائم وإدارته أكثر مما يتجه نحو تغييره أو معالجة جذور الأزمة السياسية الفلسطينية.
وتظل التساؤلات مطروحة حول مدى قدرة هذه الخطوات الانتخابية على فتح أفق حقيقي لتجديد الشرعية وبناء مؤسسات فلسطينية تمثيلية فاعلة، مع استمرار الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني وتراجع الثقة بالمسار الانتخابي خلال السنوات الماضية.
وفي 14 يونيو الجاري أصدر رئيس السلطة تعديلات على قانون الانتخابات العامة، شملت رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو، وخفض نسبة الحسم إلى 1%، وتوسيع القوائم الانتخابية إلى 20 مرشحا، وخفض سن الترشح إلى 23 عاما. كما صدَّق في 4 يونيو على النظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني الذي حدد عدد أعضائه بـ350 عضوا موزعين بين الداخل والشتات.
الانتخابات قد تكرس الواقع لا تغيره
الخبير في الشؤون السياسية هاني المصري، يرى أن جوهر الأزمة لا يكمن في إجراء الانتخابات بحد ذاته، بل في السياق السياسي الذي تجرى فيه، فغياب التوافق الوطني والانقسام العميق يجعل من الانتخابات أداة محتملة لتثبيت الواقع القائم بدل تغييره، وإعادة إنتاج بنية النظام السياسي دون معالجة اختلالاته الأساسية.
ويشير إلى أن تعطل الانتخابات منذ عام 2006، ثم تعطيل استحقاق 2021 رغم الجاهزية، يعكس أزمة ثقة متراكمة في المسار الانتخابي، ويجعل أي عودة إلى صناديق الاقتراع محاطة بتساؤلات حول الجدية والنتائج.
ويؤكد المصري لصحيفة 'فلسطين' أن غياب التوافق الوطني على قواعد العملية الانتخابية سيؤدي إلى تعميق الانقسام، عبر إنتاج شرعيات متوازية أو متنافسة، بما يضعف وحدة النظام السياسي الفلسطيني ويزيد من هشاشته الداخلية.
كما ينتقد الشروط السياسية للمشاركة، خصوصا ربط الترشح ببرنامج منظمة التحرير، معتبرا أنها تحد من التعددية وقد تدفع قوى سياسية إلى المقاطعة، بما ينعكس على شرعية النتائج.
وفي ملف المجلس الوطني، يبرز إشكاليات تتعلق بتمثيل الشتات وغياب سجل انتخابي وآليات تنفيذ واضحة، ما يجعل تنظيم انتخابات شاملة خارج الضفة الغربية وقطاع غزة مهمة شديدة التعقيد.
ويحذر المصري من تأثير الاحتلال الاسرائيلي على أي مسار انتخابي عبر الاعتقال أو التعطيل أو التأثير على النتائج، ما يضع العملية الانتخابية في دائرة المخاطر السياسية المستمرة.
ويشير إلى أن الانتخابات البرلمانية، في ظل غياب رؤية وطنية جامعة، قد تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الواقع بدل تغييره، وإدارة الأزمة بدل حلها.
أزمة بنية قانونية قبل أزمة صناديق اقتراع
من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية د. جهاد حرب، أن الأزمة الأساسية في النظام الانتخابي الفلسطيني تكمن في البنية المؤسسية، وليس فقط في إجراء الانتخابات. فاستمرار التداخل بين منظمة التحرير والدولة والسلطة دون تحديد واضح للمرجعيات يخلق ازدواجية في الصلاحيات ويؤثر على تماسك النظام السياسي.
ويشير حرب في حديثه لـ'فلسطين' إلى أن النظام الانتخابي الجديد لم يطرح للنقاش العام بشكل كاف، ولم تنشر مسوداته بصورة شفافة، ما يضعف فرص بناء توافق وطني حول قواعد العملية الانتخابية.
كما يطرح إشكالية تكافؤ الفرص السياسية، معتبرا أن فرض شروط سياسية على المرشحين يتعارض مع مبادئ التنافس الديمقراطي، وقد يؤدي إلى تقليص المشاركة.
ويركز على غياب الحسم في العلاقة بين مؤسسات منظمة التحرير ومؤسسات الدولة، ما يخلق تداخلا في المرجعيات والصلاحيات ويضعف وضوح مراكز القرار.
ويثير كذلك إشكالية العلاقة بين رئيس الدولة ورئيس منظمة التحرير في حال تعدد الشخصيات، وما قد ينتج عنه من تضارب في مراكز القرار وتعقيد في إدارة النظام السياسي الفلسطيني.
القراءات السياسية والقانونية لمجريات ملف الانتخابات الفلسطينية، تكشف عن أزمة تتجاوز صندوق الاقتراع إلى بنية النظام نفسه. فبين تحذيرات من تحويل الانتخابات إلى أداة لإعادة إنتاج الواقع القائم، وتنبيهات من اختلالات مؤسسية وقانونية عميقة، يبقى السؤال المركزي مفتوحا حول ما إذا كانت هذه الانتخابات تمثل مدخلا لتجديد الشرعية السياسية، أم محطة إضافية في إدارة أزمة فلسطينية ممتدة دون أفق واضح للتغيير.

























































