اخبار سوريا
موقع كل يوم -تلفزيون سوريا
نشر بتاريخ: ١٤ نيسان ٢٠٢٥
غادرتُ المدينة الأسيرة متأخراً، بعد أن غلب الخوفُ الحبَ، ورجعتُ إلى المدينة المحررة متأخراً بعد أن غلبتِ الحياةُ الشوق.
وصلتني احتفالات الآخرين بسقوط النظام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واحتفلتُ بهذا الحلم وحيداً، كما يليق بصوفيٍّ شهِد التجليَ فحلّق، مراكماً الوجد حتى التماهي فما احتاج المرئيَّ ليرى ولا عاين عينَ المكان لينتشي.
وفي كل وجدٍ شيء من الوهم..
وصلني الكثير عن تهالك المكان وإرهاق أهله، ولكن البهجة التي كانت تفيض من وراء الشاشة من قصص 'الزوار' أغرقتني في الوجد.. فما أدركتُ ما فيه من وهمٍ.
جمعتُ ما أمكن جمعه وعدتُ. عازماً على البقاء ما استطعتُ، وما زلتُ حتى اللحظة: أقاتلُ كلّ خيبة، أنافحُ عن كلّ أملٍ، وأقنع النفس بأنّ الشجاعة صبر ساعة.
وصلتُ بيروت، وكان الطريق عبرها مغرقاً في الشجى، فما هذه بيروت التي أحببتُ، كان الهواء في مدينة المنفى الأول غريباً عما ألفتُ حين جئتها قبل عشر سنين، لقد هرمت المدينة ألف عام، ولولا الوجدُ إلى دمشق لنزلتُ من السيارة لأندبها شاقّاً الثوب.
لاحتْ أطراف المعشوقة، تحت الظلام، وهل يحتاج العاشق نوراً ليرى؟ عبرتُ الحب الغارق في عتمته، وأبصرَ قلبي من وجعها ما أمسكَ النبضَ عن النطق. فما ابتسمتُ ولا بكيتُ، غرقتُ في مقعدي متمترساً ببقايا فتوتي: الشجاعة صبر ساعة.. النصر صبر ساعة.. العشق وجد ساعة.. وأكملتُ رحلتي إلى قريتي، فالشائبان على جمر الوجد هما أيضاً، وإطفائه أولى من كل ما فيّ من نيران.
أمضيتُ أسبوعاً في القرية التي غمرتني ألفةً وحبّاً لتعيد شتل ما تصحّر منّي، وترمم ما تناهبته البلاد البيضاء من إنسانيتي وهي تحوّلني لمسننٍ في معاملها الباردة.
وبعد جرعة لا تنضب من الحب.. طرقت باب دمشق الشام.
وفي كل وجدٍ شيء من الوهم.. ينجلي حين اللقاء.
***
وصلتُ مبكراً حيث يصل كلّ الغرباء، إلى 'الكراجات'، فأنا والشام رفاق صباح منذ الفجر العتيق، أحفظُ بحّات مؤذنيها حين يمهدون لبدء النور، أعرف شمسها حين تسرق قطرات الماء من 'صواني المرّبى' لتكثفه حلاوة خالصة، أغرِف الأملَ من طلابها وطالبتها يتبادلون الصِبا والحبَّ سراً وعلانيةً في طرق مدارسها.
شآمي التي أشتُاقها لا تبدأها إلا في باكر الصباح، وهكذا فعلتُ.. وصلْتُها والجو مطير عاصف، فاستقبلتني المدينة بوجوه متآكلة، التعب مفردة مغرقة في البهرجة لوصف الوجوه الملقاة على الأرصفة وخلف 'البسطات'. وزاد الوحل والمطر والهواء العاصف من بؤس اللحظة: فانكمشتُ على نفسي عارياً تحت الثلج، واستجمعتُ وجدي لأدفع خطواتي إلى دمشقَ القديمة حيث تغلي الذكرياتُ كقِدر المرأة الفقيرة التي رآها ابن الخطاب تطبخ الحجارة.. عند الباب العتيق الذي يحرس المدخل الشرقيّ للمدينة القديمة، ألقيت قلبي على نافذة كنتُ أحسبها طاقة إلى جنة الوطن، كان الرد أقسى مما يستطيع قلبُ رجل واحد أن يتحمله.. من أين يأتي البشر بكل هذه القسوة والنكران والجحود؟ أم أنّ البشر وحدهم من دون كل المخلوقات هم من يستطيعون كل هذا الجحود والنكران؟
الحياة عابرة، هشّة، سطحية، لدرجة أن اتصالاً هاتفياً واحداً يستطيع تغييرها مرة واحدةً وإلى الأبد.. أبد لا تكفي ألف ثورة لإسقاطه. والحب الهشُّ كالمدن الكبيرة لا ينتظر الغائبين، يستبدل القلوب كما تستبدلُ المدن حجارة الأرصفة وعابريها. ولعلّ الغائبين لم يعودوا إلى المدن ذاتها والحب ذاتها! كيف يمكن أن نعرف حين يستقبلنا سجنٌ جديد في الوطن: هل خدعتنا المدينة حين أعلنتْ أنها قد تحررتْ، أم أننا ضللنا الطريق وقصدنا مدينة غير التي نعرف؟ هل مات الحبّ حقّاً؟ أم أننا نضع القلب على حجر نحسبه الضلع الذي حسبناه بانتظارنا بينما يغفو الضلع وحيداً في مدينة أخرى؟ هذه أسئلة لا إجابة لها. وأسئلةٌ بلا إجابات: هي زنازين بلا أبواب، بُنيتْ حولَ معتقليها ليظلوا فيها حتى الفناء.
يبدو أنّ العلّة ذاتها التي لا أعرف ماهيتها، العلة القابعة في ذاتنا، العلة التي منعتنا من الصراخ في الشارع لاعنين كلّ من هتك بلادنا زمن الديكتاتور.. هي ذاتها تمنعنا اليوم من الصراخ في الشارع لاعنين من هتك أرواحنا. هذا 'التعقل' المصطنع فيه من الذل ما لا يقبله مخلوق إلا الإنسان 'العاقل'.
أتسكع في المدينة العتيقة المنكوبة، أتحسس كل الخراب كمن يتحسس جراحه، تأكل المطاعم الحارات وتحيل أُلفتَها التنوريَّة الرائحة إلى رغيف خبز سياحيّ لا طعم للقمح الأسمر في بياضه المصطنع.
على باب مقهى قديم، أعرفه منذ عشرين عاماً ولا أحبُّه، ولكنه كان الوحيد المتاح الذي أعرفه في ذلك الصباح القاتم، وما كان في الروح رمق يكفي لاكتشاف مكان جديد..
على الباب يسألني النادل: ' لحالك أستاذ؟ '.. وأكاد أبكي من فرط ما أنا 'لحالي'..
تدوي كلمات الرحابنة وصوت فيروز في رأسي 'متل السهم الراجع من سفر الزمان.. قطعت الشوارع ما ضحكلي إنسان' تصبح الأغنية مثقباً والقلب 'غربالاً'.
هنا دمشق.




































































