اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة الأنباء
نشر بتاريخ: ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦
بيروت - اتحاد درويش
وصف أستاذ مادة الاقتصاديات وسوسيولوجيا الفساد في الجامعة اللبنانية المحامي جاد طعمة، ما أعلن عنه حاكم مصرف لبنان كريم سعيد قبل أيام من اتخاذه سلسلة إجراءات قانونية وقضائية تطاول كل من يثبت تورطه في اختلاس أو إساءة استعمال أموال مصرف لبنان واسترجاع الأموال المهربة، والوعد بتعميم تقرير شامل حول المبالغ المستحقة على الدولة لمصلحة المصرف، وملاحقة كل من خالف تعاميم المصرف «بأن هذا يأتي في سياق محاولة رسمية للظهور بمظهر الإصلاح والمساءلة بعد سنوات من الصمت والتقاعس. فالتجربة اللبنانية، خاصة في ظل غياب البيئة القضائية المستقلة الفعالة تجعلنا نتساءل عن مدى جدية هذه الخطوة وإمكانية ترجمتها إلى إجراءات ملموسة، والاعلان عن سلسلة إجراءات قانونية وقضائية يبقى حبرا على ورق إذا لم يترافق مع إرادة سياسية حقيقية وضمانات عملية لاستقلالية القضاء».
وقال طعمة في حديث إلى «الأنباء»: «لقد مررنا بتجربة لم تتحرك فيها هيئة الرقابة على المصارف التي يرأسها حاكم مصرف لبنان للجم التدهور الحاصل أو فرض الانضباط العام في ظل تقاعس القضاء اللبناني، لاسيما الجزائي منه عن التحرك عفوا ضد سارقي ومختلسي ودائع الناس في المصارف، وهي جريمة أمنت العقاب رغم فداحة الفعل المقترف».
ورأى طعمة «أن استرجاع الأموال المهربة وما أعلنه الحاكم بشأن حصر المبالغ التي وضعت بتصرف الحكومات المتعاقبة والتي تجاوزت ثلاثة أضعاف الرقم المعلن سابقا، يسلط الضوء على حجم الاستنزاف الذي تعرض له المال العام».
وتابع: «سيبقى السؤال الجوهري: هل يملك القضاء اللبناني القدرة والاستقلالية لملاحقة هذه المبالغ الضخمة واستردادها، خصوصا أن كان بعض رجال السلطة في لبنان متورطين في عمليات مشبوهة تتعلق بهدر المال العام؟ وماذا يقال عن البضائع المدعومة من الدولة اللبنانية التي كانت تستدين مبالغ من مصرف لبنان والمهربة إلى سورية عبر المعابر غير الشرعية، أو التي كانت تبخرت بسرعة في السوق اللبناني نتيجة استيعاب أعداد مليونية من النازحين السوريين؟ أليس هناك موجب أخلاقي على سائر دول العالم في الوقوف إلى جانب لبنان؟».
و لفت إلى ان «التجارب السابقة تظهر أن القضاء في لبنان يعاني من ضغوط سياسية تعطل في كثير من الأحيان أي مسار جدي للمحاسبة. كما هناك حديث عن دعم تم تقديمه من قبل حاكمية مصرف لبنان لصندوق تعاضد القضاة من أجل تحسين رواتب القضاة أثناء الأزمة الاقتصادية. وحصل ذلك في مكتب النائب العام التمييزي السابق، حين استمهلت جمعية المصارف مدة سنتين لرد ودائع الناس، الأمر الذي ثبت زيفه وعدم صدقية الوعود المقطوعة. لذا يبقى الإعلان خطوة رمزية ما لم يتبع بإجراءات سريعة وشفافة، منها إطلاق جدي لتحقيقات قضائية مستقلة بمعزل عن التدخلات السياسية، وتفعيل التعاون القضائي الدولي لتعقب الأموال المهربة، وضمان حماية الشهود والخبراء الماليين المشاركين في التحقيقات».
واعتبر طعمة «أن ما أعلن عنه الحاكم كريم سعيد من أن المصرف يعد تقريرا شاملا يهدف إلى حصر وتقدير جميع الأموال التي وضعت في عهدة الحكومات السابقة حتى عام 2023، أو تلك التي دفعها المصرف عن هذه الحكومات لتحديد قيمتها وتثبيت حقوقه.. مبالغ تعتبر ديونا على الدولة تجاه مصرف لبنان، وفقا للمعايير المحاسبية والقانونية. ولكن يجب التمييز بين الديون الناشئة عن تمويل خدمات عامة مشروعة (كالدعم) وتلك الناتجة عن إساءة استخدام أو فساد. وأن تحديد طبيعة هذه الديون وآلية تسويتها يجب أن يتم عبر عملية تدقيق مستقلة وشفافة، وليس عبر «اتفاقيات» ثنائية بين الحكومة والمصرف قد تهدر الحقوق وتغيب المساءلة».
وأكد «أن الإجراءات القانونية والقضائية تعد جزءا من مسعى لبناني رسمي لإظهار الإصلاحات واستعادة الثقة الدولية، خصوصا مع إنجاز الحكومة لعدد من القوانين، كقانون الفجوة المالية وقانون إصلاح المصارف. ولكن الثقة لا تسترد بالخطابات والإعلانات، بل بالإجراءات الملموسة والنتائج المرئية والأهم لا ثقة تسترجع دون اعتراف بالخطأ وتحديد مكامنه».
ولفت طعمة إلى «أن المجتمع الدولي يتابع عن كثب مدى جدية الإصلاحات، وخصوصا في مجال محاسبة الفاسدين، واسترداد الأموال المهربة، وحماية حقوق المودعين. وأي تأخير أو تواطؤ في هذه الملفات سيفقد لبنان ما تبقى من مصداقيته».
وأشار بالقول «لكي لا يبقى الإعلان مجرد وعود، لابد من القيام بخطوات نلمس من خلالها نتائج تحركات قضائية جدية تثبت استقلاليتها وتكون ذات صلاحيات واسعة. وكذلك لابد من تعزيز التعاون مع الجهات الدولية المتخصصة في تعقب الأموال، مثل البنك الدولي ومجموعة العمل المالي، وإطلاق حملة شفافية لنشر تفاصيل المبالغ المستحقة وآليات استردادها. كما مراجعة التشريعات النافذة لضمان حماية المال العام والمعاقبة الفعالة على الجرائم المالية».
وختم طعمة بالقول: «الخطوة التي أعلن عنها حاكم مصرف لبنان هي إشارة إيجابية في ظاهرها، لكن نجاحها مرهون بتحويل الكلام إلى فعل، والوعود إلى نتائج. فقد سئم الشعب اللبناني الوعود المعسولة والبطولات الاعلامية خلال المؤتمرات الصحافية. لبنان بحاجة إلى إرادة إصلاحية حقيقية، لا إلى مسرحية قانونية أخرى تضاف إلى سجل الإخفاقات».











































































