اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٤ أذار ٢٠٢٦
ثلاثة قرون تتقدّم بثقة دولة تعرف أصلها وتختبر قدرتها على إعادة تعريف نفسها. يوم التأسيس في المملكة العربية السعودية بدا تمريناً على استحضار المعنى لا استعادة الذكرى. خمسة وعشرون ألف علم ارتفعت في السماء. الرياض مضاءة بألوان الهوية الوطنية إعلاناً بأن التاريخ طاقة قابلة للتجدد، وأن الدرعية التي شهدت البدايات عام 1727 ما زالت تضخ في الجسد السعودي إيقاع المبادرة الأولى.
الإمام محمد بن سعود دشّن في القرن الثامن عشر مساراً سياسياً أعاد ترتيب المجال العربي في الجزيرة، وأرسى مفهوم الدولة بوصفها انتظااًا وإرادة.
المعنى نفسه يتحرك اليوم بصيغة مختلفة في مشروع يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مشروع يضع المملكة داخل قلب التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل العالم. الثورة التكنولوجية الرابعة تدخل الخطاب السعودي كقدر تاريخي جديد، لا كترف لغوي، وتتحول إلى عنوان لمرحلة تتطلب مهارات مغايرة وأدوات أكثر جرأة.
الاحتفال لم يكن استعراض أضواء. الميادين تحولت إلى مساحات تعلن أن الدولة قادرة على الانتقال من حماية المجال إلى صناعة الفرصة. حماية الحدود وتأمين طرق الحج شكّلا جوهراً تاريخياً طويلاً، غير أن اللحظة الراهنة تفتح باباً أوسع: اقتصاد رقمي، مدن ذكية، إدارة موارد عبر الذكاء الاصطناعي، وتعليم يعيد صياغة العلاقة بين الفرد والمعرفة.
مشاريع كبرى تتقدم في هذا السياق، وفي مقدمتها نيوم التي صارت مختبراً لفكرة المستقبل، ومنصة لاختبار قدرة الدولة على بناء نموذج تنموي يتجاوز الاعتماد التقليدي على النفط.
التحول الجاري يفرض إيقاعاً جديداً على المجتمع. سوق العمل يتغير، مفاهيم الكفاءة تتبدل، والجامعة مطالبة بأن تسبق السؤال قبل أن يصلها.
الطاقة المتجددة تدخل المعادلة الاقتصادية باعتبارها رافعة للنمو، والتقنيات الحديثة تتحول إلى لغة يومية في المؤسسات والخدمات.
كل ذلك يجري في سياق سعي واضح إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز موقع المملكة في سلاسل القيمة العالمية. الرهان هنا على بناء اقتصاد معرفة يستثمر الموقع الجغرافي والموارد المالية والقدرة التنظيمية في آن واحد.
النظرة الدولية إلى السعودية تتشكل وفق هذا الإيقاع الجديد. صورة الدولة النفطية التقليدية تتراجع أمام حضور متصاعد في مجالات الابتكار والاقتصاد الرقمي. أدوار أكثر تأثيراً في نقاشات الطاقة، مساهمات أوسع في رسم سياسات التكنولوجيا، وانخراط في شراكات تتجاوز منطق المورد والمستهلك.
التحول الداخلي ينعكس على أنماط الحياة، حيث تدخل التقنية في تفاصيل الخدمات والصحة والتعليم، وتصبح جزءاً من الهوية الحديثة للمجتمع.
يوم التأسيس يكتسب في هذا السياق بعداً يتجاوز الاحتفاء الرمزي. الضوء الذي زين شوارع الرياض يعلن عن توازن بين جذور راسخة وطموح مفتوح.
التاريخ يتحول إلى رصيد معنوي يغذي الثقة، والتحديث يصبح أداة لصيانة هذا الرصيد عبر تطويره. الدولة التي نجحت في عبور تقلبات إقليمية ودولية على مدى ثلاثة قرون تضع نفسها أمام امتحان من نوع آخر: قدرة على إدارة انتقال اقتصادي وثقافي واسع من دون إرباك البنية الاجتماعية.
المسار الداخلي يرتبط بخيارات إقليمية تسعى إلى خلق بيئة مستقرة تسمح للتنمية بأن تتقدم. رؤية ولي العهد تتعامل مع التوافق العربي بوصفه شرطاً لتسريع دخول المنطقة عصر الثورة التكنولوجية الرابعة.
التكامل الاقتصادي، تنسيق سياسات الطاقة، وتبادل الخبرات في الابتكار تشكل عناصر في مشروع أوسع يهدف إلى إدخال الإقليم في دورة تحديث شاملة. المقاربة السعودية تقوم على فتح القنوات وتهيئة المنصات، ومنح الأطراف مساحة لصياغة تفاهماتها، ما يعزز موقع المملكة كقوة جامعة تسعى إلى بناء نظام عربي أكثر تماسكاً وانفتاحاً.
ثلاثة قرون من التجربة تصوغ لحظة تقول إن الاستمرارية لا تعني الجمود، وإن الوفاء للبدايات يمر عبر الجرأة على التغيير.
يوم التأسيس يتحول إلى إعلان بأن السعودية تدخل عقداً جديداً من تاريخها، حيث تصبح التكنولوجيا أداة سيادة، والاقتصاد المتنوع ضمانة استقرار، والقيادة السياسية ركيزة لإدارة انتقال واسع بثقة وهدوء.
دولة بدأت من الدرعية تمضي اليوم نحو أفق رقمي واسع، مستندة إلى ذاكرة صلبة وإرادة تتطلع إلى المستقبل بثبات.











































































