اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦
كتب سليمان جوزيف فرنجيه لموقع الصدارة نيوز…
في إحدى الظهيرات العادية، وأثناء تصفحك المعتاد لقصص الخلاصات اللانهائية على هاتفك المحمول، قد تجد نفسك تُنفق نصف ساعة كاملة في متابعة سجال حاد حول تصرف غير مألوف لـ'صانع محتوى'، أو في مشاهدة مقطع لا يتجاوز خمس عشرة ثانية يتكرر فيه الصوت نفسه آلاف المرات. ثم تنتهي الحركة السريعة للإبهام، وتضع الهاتف جانباً، لتسأل نفسك بذهول: 'ما الذي استفدته حقاً في هذه الدقائق؟'.
هذا السؤال اليومي ليس مجرد استياء عابر، بل هو النافذة التي نطل منها على إحدى أكبر الأزمات الفكرية في عصرنا: أزمة الوعي المُغيّب لصالح السطحية المُعلّبة. لقد تحول 'التريند' من مجرد أداة إحصائية تقيس الموضوعات الأكثر تداولاً إلى سلطة ثقافية وأخلاقية تصوغ اهتمامات البشر، وتحدد ما هو مهم وما هو هامشي، بغض النظر عن قيمته الإنسانية أو الفكرية.
اقتصاد الانتباه: السلعة هي وقتك وعقلك
لنفهم كيف وصلنا إلى هذه اللحظة، علينا أولاً أن ندرك أن النموذج الاقتصادي لشباك التفاعل الرقمي لا يقوم على جودة الفكرة، بل على إثارة الانتباه. كُتب الكثير في فلسفة الإعلام الحديث عن 'اقتصاد الانتباه' (Attention Economy)، وهو المفهوم الذي يوضح أن الخوارزميات مصممة بيولوجياً ومستجيبة لنفسية الإنسان، إذ تستهدف تحفيز هرمون الدوبامين عبر المفاجأة، الإثارة، والشعور المستمر بالخوف من تفويت الأحداث (FOMO).
في هذا السوق المحموم، لا تملك الفكرة العميقة التي تتطلب تأملاً وهدوءاً فرصاً كبيرة للمنافسة. القراءة التحليلية تطلب وقتاً وجهداً ذهندياً، بينما المقطع الصادم أو التافه يوفر وجبة سريعة من المتعة اللحظية دون أدنى مشقة. ونتيجة لذلك، أصبحت 'التفاهة' تمتاز بمرونة عالية للانتشار، وسرعان ما أزاحت الطرح الجاد جانباً، لتصنع مناخاً عاماً يُعامل فيه العمق بصفته حملاً ثقيلاً، والاستخفاف بصفته علامة من علامات مواكبة العصر.
تراجع الثقافة الرصينة: من الفهم إلى الانطباع
لا تكمن الخطورة فقط في انتصار المحتوى السطحي، بل في إعادة تشكيل كيفية تفكيرنا وتعاملنا مع المعرفة. لقد عوّدتنا الشاشات الصغيرة على الوجبات الفكرية السريعة والمبتورة، مما تسبّب في تراجع تدريجي وحادّ لمهارات التفكير النقدي والاستغراق في النص المعقّد.
سابقاً، كان يبني المرء موقفه من قضية ما عبر القراءة المتأنيّة، ومقارنة المصادر، والاستماع للآراء المتعددة. أما اليوم، فقد حل 'الانطباع الخاطف' محل الفهم العميق. تصدر الأحكام وتُبنى المبادئ بناءً على مقطع مدته دقيقة أو 'تغريدة' اقتُطعت من سياقها. هذا التحوّل السريع جعل الوعي الجمعي هشاً وعرضة للاستقطاب؛ مجتمع يسهل دفعه باتجاه غضب افتراضي عارم في الصباح، ثم إشغاله بقضية تافهة أخرى بحلول المساء، دون أن يترك ذلك أي أثر معرفيّ أو أخلاقيّ حقيقي.
صياغة الجيل الجديد: قدوات بلا مضمون
إن المتأثر الأكبر بهذا التجريف الثقافي هو الجيل الجديد الذي فتح عينيه على دنيا لا تقيس نجاح المرء بقدرته على التفكير أو العطاء، بل بعدد المتابعين وحجم التفاعل. عندما يرى طفل أو مراهق أن الشهرة والقبول الاجتماعي والمادي يتحققان بجهد لا يُذكر من خلال ممارسات سطحيّة أو استعراضات يومية فارغة، تراجع لديه الحافز للتحصيل العلمي أو المعرفي الشّاق.
لقد تراجعت مكانة العلماء والمفكرين وأصحاب الحرف الرفيعة لصالح فئة جديدة من المشاهير الذين يكرسون، بعلم أو بغير علم، نماذج حياة استهلاكية محتواها الاستعراض السطحي للمظاهر والرفاهية. والأخطر من ذلك هو تنشئة جيل يفقد التدريجياً القدرة على الصبر والتأمل، ويميل لكل ما هو جاهز ومبسّط بشكل يفرغ المفاهيم الإنسانية الكبرى كالمسؤولية، العدالة، والأخلاق من محتواها الرصين.
استعادة الذات في عالم مشتت
إن نقد ثقافة 'التريند' ليس دعوة للإنعزال عن التكنولوجيا أو رفض الوسائط الحديثة؛ فالتكنولوجيا أداة محايدة يمكن توظيفها للنفع كما للضرر. إنما القضية هي 'وعي الاستهلاك'. تتطلب مواجهة هذه الموجة ممارسة 'نقد الذات الرقمية' بشكل يومي. أن نتوقّف قبل مشاركة أي محتوى لنسأل أنفسنا: هل يضيف هذا شيئاً حقيقياً إلى عقلي أو أخلاقي؟ أم أنني أسهم فقط في تكثير السواد حول فقاعة جديدة؟
إن المعرفة الحقيقية كانت وستبقى عمليّة بطيئة وممتعة في آن واحد، تحتاج إلى الهدوء وتستوجب المسافة بين الإنسان وبين صخب الإعلام. وما لم نُعد الاعتبار لقيمة العمق وقوة السؤال والبحث الشغوف، فسنظل ندور في حلقة مفرغة تفرز لنا كل يوم ترينداً جديداً ينسينا تريند الأمس، بينما نبتعد نحن تدريجياً عن كل ما يمت إلى الوعي الإنساني الأصيل بصلة.











































































