اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
بعد عقود من انطلاق التجربة المصرفية الإسلامية في الأردن، بات السؤال الحاضر اليوم والأكثر أهمية اليوم ،،، هل تستطيع المصارف الإسلامية أن تنمو وتتطور وتنافس، من دون أن تفقد تدريجياً هويتها التي قامت من أجلها؟
الأرقام تؤكد أن المصرفية الإسلامية أصبحت جزءً أصيلاً من النظام المصرفي الأردني،،، فوفق البيانات المنشورة للبنك المركزي الأردني، بلغ إجمالي موجودات البنوك الإسلامية في نهاية عام 2024 نحو 14.9 مليار دينار، فيما قاربت ودائعها 11 مليار دينار،،، وهذا الحجم لم يعد يسمح بالنظر إلى هذه المصارف باعتبارها تجربة مصرفية هامشية أو خياراً لفئة محدودة من المتعاملين، بل باعتبارها مكوّناً مؤثراً في الادخار والتمويل والاستثمار والاقتصاد الوطني.
لكن النجاح في الحجم لا يكفي وحده للحكم على نجاح النموذج،،، فأخطر ما يمكن أن تواجهه المصرفية الإسلامية ليس أن تخسر المنافسة مع المصارف التقليدية، بل أن تكسب المنافسة بعد أن تصبح نسخة أخرى منها بأسماء وعقود مختلفة،،، وهنا تبدأ قضية الهوية.
والمصرف الإسلامي لم ينشأ تاريخياً لمجرد استبدال كلمة فائدة بكلمة ربح، ولا لإيجاد تركيب تعاقدي قادر على الوصول إلى نتيجة مالية مشابهة بأداة مختلفة،،، ففلسفة الاقتصاد الإسلامي أوسع من ذلك؛ فهي تربط التمويل بالنشاط الاقتصادي الحقيقي، وتضبط العلاقة بين المال والمخاطر، وتحمي أطراف التعامل من الظلم والغرر والاستغلال، وتسعى إلى تنمية المال وتداوله وتحقيق العدالة والتوازن بين الربحية والمسؤولية الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي للمنتج الإسلامي لا ينبغي أن ينتهي عند سؤال الجواز الشرعي ،،، هل أجازته هيئة الرقابة الشرعية؟ بل يمتد إلى أسئلة أخرى، ومنها ،،، ماذا يحقق هذا المنتج في الاقتصاد؟ هل يخدم حاجة حقيقية؟ هل بنيت العلاقة فيه على قدر كافٍ من العدالة والشفافية؟ وهل تتفق آثاره وممارساته مع مقاصد التشريع الذي استند إليه؟،،، فالامتثال الشرعي هو الحد الأدنى للهوية، أما المقاصد والقيم والأثر فهي ما يمنح هذه الهوية معناها الاقتصادي والرسالي.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية المنتجات القائمة على المرابحة أو الإجارة أو التورق المنضبط أو غيرها من الصيغ المعتمدة؛ فلكل منها وظيفته وحاجته الاقتصادية. المشكلة تبدأ عندما يصبح هاجس التطوير المصرفي هو البحث عن أقرب بديل لكل منتج تقليدي، بدلاً من السؤال عن المنتج الذي يستطيع الاقتصاد الإسلامي أن يقدمه بصورة أفضل وأكثر ارتباطاً بالاقتصاد الحقيقي.
المصرفية الإسلامية بحاجة اليوم إلى ابتكار أكبر في المشاركات، والاستثمار المباشر، وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والصكوك، والأوقاف الاستثمارية، وتمويل سلاسل الإنتاج، والاقتصاد الأخضر، والابتكار والتكنولوجيا، إلى جانب منتجات الأفراد. فالاقتصاد الإسلامي لا ينبغي أن يبقى محصوراً في تمويل الاستهلاك والأصول؛ بل يجب أن يكون شريكاً في إنتاج الثروة،،، فالمصرف الإسلامي الذي يكتفي بإعادة هندسة المنتجات التي صنعها النظام التقليدي سيبقى تابعاً له في التفكير، حتى وإن اختلف عنه في العقود والمظهر،،، والهوية لا تُختبر في المنتجات وحدها.
وهناك جانب أكثر دقة يتعلق بثقافة المؤسسة وسلوك إداراتها وموظفيها،،، فإذا كان المصرف يعلن التزامه بأحكام الشريعة، فلا يصح أن تبقى هذه الأحكام مسؤولية هيئة الرقابة الشرعية ودائرة التدقيق الشرعي وحدهما،،، فالرئيس التنفيذي، وقطاعات الأعمال والاستثمار والخزينة والائتمان والمخاطر والتسويق، وصولاً إلى موظف خدمة المتعاملين، جميعهم جزء من منظومة الالتزام.
وهنا لا أتحدث عن التدين الشخصي للموظفين، فالمؤسسة المصرفية ليست جهة لمراقبة الحياة الخاصة للأفراد،،، وإن كانت بكل تأكيد مسؤولة عن اختيار وتوظيف من يتمثل بسلوكه الشخصي قيم الإسلام وعباداته وأخلاقه ليتحقق بذلك صدق الهوية المؤسسية، فالانسجام بين السلوك البشري للعاملين وقيم المؤسسة المصرفية الإسلامية هو أحد أعمدة المصداقية لها،،، وإنما كذلك عن السلوك المهني المؤسسي،، فالصدق في عرض المنتج، والشفافية في بيان الكلفة، وعدم التحايل على القرارات الشرعية، وعدم الضغط على العميل لشراء منتج لا يلائمه، وعدم تحويل هيئة الرقابة الشرعية إلى محطة إجرائية وبروتوكولية للحصول على الموافقات،،، وعليه فلا يمكن بناء مصرف إسلامي حقيقي بمنتجات شرعية وثقافة إدارية لا ترى في الشريعة إلا قيداً يجب اجتيازه،،، فهوية المصرف الإسلامي لا تكتمل بعقد صحيح وسلوك مهني منضبط فقط؛ بل تحتاج أيضاً إلى قدر معقول من الاتساق بين القيم التي تعلنها المؤسسة والسلوك الظاهر لمن يمثلونها.
ولهذا فإن أخطر مظاهر تذويب الهوية قد لا تأتي من قرار كبير ومعلن، بل من تراكم مئات القرارات الصغيرة،،، مثل منتج صُمم تجارياً ثم طُلب إيجاد غطاء شرعي له، أو هدف مبيعات يغلب مصلحة العميل، أو استثناء تحول مع الزمن إلى ممارسة، أو قرار شرعي جرى التعامل معه باعتباره عائقاً أمام الأعمال.
وهنا تبرز مسؤولية مجلس الإدارة أولاً،،، فتعليمات الحوكمة المؤسسية الصادرة عن البنك المركزي الأردني لا تجعل الرقابة الشرعية شأناً معزولاً عن مجلس الإدارة؛ بل تضع على عاتقه مسؤولية ضمان وجود هيئة رقابة شرعية ونظام فعال للضوابط الشرعية، والحصول على رأي الهيئة في السياسات والعقود والمعاملات والمنتجات والخدمات ذات الصلة.
كما أن قانون البنوك الأردني أعطى هيئة الرقابة الشرعية أساساً قانونياً واضحاً، وجعل رأيها ملزماً للبنك الإسلامي،،، وهو تطور مهم، لكن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من حوكمة وجود الهيئات إلى حوكمة فاعلية الهوية،،، وهنا أرى دوراً استراتيجياً إضافياً للبنك المركزي الأردني.
فالبنك المركزي نجح في بناء بيئة رقابية متقدمة للبنوك الإسلامية ضمن النظام المصرفي الوطني، والمطلوب في المرحلة المقبلة ألا تقتصر الرقابة على الملاءة والسيولة والحوكمة ووجود الهياكل الشرعية، وإنما أن تمتد، ضمن أطر رقابية موضوعية، إلى تقييم فاعلية منظومة الالتزام الشرعي نفسها من حيث استقلاليتها، وقوتها، وموقعها في صناعة القرار، وقدرة التدقيق الشرعي على الوصول إلى المخاطر الفعلية، ومدى التزام الإدارة التنفيذية بالقرارات الشرعية.
فالهوية الإسلامية للمصرف ليست شأناً تسويقياً يخص البنك؛ وإنما هي جزء من الوعد الذي يمنحه الترخيص المصرفي للمتعامل الذي اختار مؤسسة تعمل وفق أحكام الشريعة،،، ومن هنا يمكن التفكير في ثلاثة مسارات تنفيذية للمرحلة المقبلة:
1. إطار وطني لفاعلية الحوكمة والهوية الشرعية يصدر أو يطوَّر تحت إشراف البنك المركزي، يستفيد من أفضل الممارسات والمعايير الدولية، بما فيها معايير أيوفي، ويتضمن مؤشرات قابلة للقياس لاستقلال الرقابة الشرعية، والالتزام، والتدقيق، وتطوير المنتجات، والثقافة المؤسسية، مع تقييم دوري لفاعلية المنظومة وليس فقط لوجودها.
2. إدماج المقاصد والأثر في الاستراتيجية المصرفية، بحيث تعتمد مجالس إدارات البنوك الإسلامية مجموعة مؤشرات سنوية تقيس، إلى جانب الربحية والنمو، مساهمة التمويلات في الاقتصاد الحقيقي، والمشروعات الإنتاجية، والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، والاستثمار، والاستدامة، والابتكار المالي الإسلامي، وتطوير صيغ تتجاوز التركيز المفرط على المنتجات المشابهة للتمويل التقليدي.
3. بناء ثقافة التزام شرعي من مجلس الإدارة وصولاً إلى نقطة البيع، من خلال إدخال المعرفة بالمالية الإسلامية والأخلاقيات المهنية ضمن متطلبات الكفاءة والتدريب والتقييم الوظيفي للقيادات وموظفي الأعمال، وربط مؤشرات الأداء ليس بحجم المبيعات فقط، وإنما بجودة البيع، وحماية العميل، والالتزام بالضوابط والقرارات الشرعية، بل وحتى مظاهر الالتزام السلوكي للموظفين بالهوية الإسلامية وفي كل المستويات الإدارية.
والمصرفية الإسلامية في الأردن لا تحتاج إلى العودة إلى الماضي، ولا إلى الانغلاق عن التطور الرقمي أو المنافسة أو الابتكار،،، على العكس؛ مطلوب منها أن تكون أكثر حداثة، وأكثر قدرة على توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والمنتجات الرقمية.
لكن التحدي هو أن تدخل المستقبل وهي تعرف بالضبط من هي،،، فالمعادلة ليست بين الأصالة والمعاصرة؛ فهذه ثنائية غير صحيحة،،، المعادلة الحقيقية هي كيف نستخدم أدوات المعاصرة لخدمة نموذج اقتصادي له فلسفته وقيمه ومقاصده.
ولقد حان الوقت لكي تنتقل المصارف الإسلامية من سؤال الجواز الشرعي للمنتجات وحده، إلى سؤال أعمق،،، هل هذا المنتج، وهذه المؤسسة، وهذا السلوك المصرفي يضيف بالفعل شيئاً مختلفاً للاقتصاد والمجتمع؟
لأن مستقبل المصرفية الإسلامية لن تحدده قدرتها على إثبات أنها تستطيع أن تفعل كل ما تفعله المصارف التقليدية؛ بل قدرتها على إثبات أن لديها شيئاً أفضل ومختلفاً يستحق أن يبقى،،، عنوانه الحقيقي مشروعية الهوية والمنتج والسلوك الإنساني والمآلات،، وهي ما نختصره بتحري المشروعية في كل ما يتعلق بالمصرفية الإسلامية.
* مستشار المصرفية الإسلامية والحوكمة والاستثمار والتحول المؤسسي

























































