اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ١٩ أيلول ٢٠٢٦
خاص / شهاب
الإسهال والمغص والطفح الجلدي وارتفاع الحرارة، وصولًا إلى التهاب الكبد الوبائي 'أ'.. أعراض لا تكاد تغادر خيام النازحين في مختلف مناطق قطاع غزة، فيما تسجل وزارة الصحة يوميًا إصابات جديدة بأمراض مرتبطة باستخدام المياه الملوثة، في وقت يضطر فيه آلاف النازحين إلى الاعتماد على مصادر مياه لا يمكن ضمان سلامتها.
حالات يومية
في إحدى خيام النزوح، تراقب وفاء أبو رجيلة، 41 عامًا، أطفالها الثلاثة وهم يعانون أعراضًا متشابهة، بين الإسهال والمغص وارتفاع درجات الحرارة وغيرها من المتاعب الصحية التي لم تعرف سببها في البداية، رغم حرصها الدائم على نظافتهم ومحاولة حمايتهم من الأمراض في الظروف الصعبة التي يعيشونها.
لكن تدهور حالتهم الصحية دفعها إلى اصطحابهم إلى أقرب نقطة صحية داخل المخيم الذي تقيم فيه، لتفاجأ بعد الفحص بأن أطفالها الثلاثة يعانون نزلات معوية حادة نتيجة تلوث المياه.
لم تكن وفاء تملك الكثير من الخيارات؛ فالمياه التي تصل إلى خيمتها تُستخدم للشرب وإعداد الطعام والتنظيف، بينما يصعب على الأسرة تأمين مصدر آخر يمكن الوثوق بسلامته، في وقت تحاصر فيه مياه الصرف الصحي عددًا من مخيمات النازحين وتتسرب بين الخيام وفي الشوارع.
ولا تختلف معاناة علاء عجور، 19 عامًا، كثيرًا، إذ ظل منذ أكثر من ثلاثة أشهر يعاني أوجاعًا وأعراضًا صحية مختلفة، من دون أن يعرف ما الذي يحدث لجسده، قبل أن يخضع للفحوص الطبية ويكتشف إصابته بالتهاب الكبد الوبائي 'أ'، في ظل اعتماده وأسرته على مصادر مياه ملوثة.
وبينما يحاول النازحون التعامل مع الأمراض التي تتكرر داخل الخيام، تؤكد بيانات وزارة الصحة في غزة أن 28% من الأمراض المسجلة في القطاع تنتقل عبر المياه الملوثة، في مؤشر على حجم الخطر الذي يحيط بالسكان، خصوصًا الأطفال وكبار السن وذوي المناعة الضعيفة.
وتزداد خطورة الوضع مع ارتفاع نسبة التلوث الميكروبيولوجي في مياه الآبار الأرتوازية، التي تشكل المصدر المائي الرئيسي لسكان القطاع، من 4% قبل الحرب إلى أكثر من 25% حاليًا، وفق فحوص أولية تمكنت وزارة الصحة من إجرائها.بيئة خصبة
بيئة خصبة
ويقول أبو عفش إن المشكلة لا تتعلق بالمياه وحدها، بل بالقدرة المحدودة للمنظومة الصحية على التعامل مع نتائج هذا التلوث، إذ تعاني المرافق الصحية عجزًا شديدًا في الأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الفحص المخبري، تجاوزت نسبته 75% من المستلزمات الضرورية لمعالجة الأمراض الناتجة من هذه الظاهرة.
ويشير إلى أن المرافق الصحية تتعامل يوميًا مع مئات الإصابات من مختلف الفئات العمرية، دون القدرة على مداواتها بالشكل السليم، ما يرفع مخاطر استمرار الأمراض الناجمة عن تلوث المياه وتفاقمها وتحولها إلى حالات أكثر تعقيدًا خلال المرحلة المقبلة.
ولا يقتصر الأمر، بحسب أبو عفش، على مصدر واحد للمياه، إذ يضطر النازحون إلى استخدام ما يتوفر لهم من مياه، سواء من الآبار أو الصهاريج أو مصادر أخرى، في ظل صعوبة ضمان سلامتها.
ويؤكد أن انعكاس ذلك يظهر بصورة يومية في أعداد المرضى الذين يصلون إلى المستشفيات وعيادات الرعاية الأولية، وبينهم أطفال يعانون أمراضًا معوية وفيروسية، إلى جانب الأمراض الجلدية التي تنتشر في مناطق النزوح المكتظة.
ويحذر أبو عفش خصوصًا من انتشار التهاب الكبد الوبائي 'أ'، موضحًا أن المرض فيروسي، ويوجد في دم وبراز الشخص المصاب، ما يجعل طرق انتقاله متعددة، خصوصًا في مناطق النزوح التي أصبحت بعد الحرب بيئة خصبة لانتشاره.
ويعزو ذلك إلى أن الفحوص أُجريت بإمكانات بدائية وفي ظل غياب مقومات الاختبار الدقيق لدى الجهات الفلسطينية المختصة، ما يجعل معرفة الحجم الفعلي للمشكلة أكثر صعوبة.
ويحدد العكلوك سببين رئيسيين لتلوث المياه الأول هو انهيار منظومة الصرف الصحي، بما تتضمنه من محطات معالجة وضخ، وهو ما أدى إلى اختلاط مياه الصرف الصحي المتجمعة في البرك بمصادر المياه النظيفة.
الحفر الامتصاصية
ولا تتوقف المشكلة عند البرك، إذ يشير العكلوك إلى تسرب كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي من تحت المباني المدمرة، بعد إتلاف الخطوط الناقلة، لتنتشر عشوائيًا في المناطق السكنية والشوارع، بما يزيد فرص وصول الملوثات إلى مصادر المياه ومحيط أماكن النزوح.
أما السبب الثاني، فيتمثل، وفق العكلوك، في حقن كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي والمياه العادمة في باطن الأرض عبر أكثر من 300 ألف حفرة امتصاصية أحدثها النازحون المقيمون في الخيام للتخلص من مياه الصرف الصحي.
لكن العكلوك يؤكد أن تقنيتي الأوزون والأشعة فوق البنفسجية فقدتا تمامًا من القطاع، إذ يمنع الاحتلال إدخالهما منذ بدء الحرب، ولم يتبقَّ سوى الاعتماد على الكلور.
ويشيرالعكلوك إلى أن كميات الكلور التي تدخل القطاع انخفضت بنسبة 70%، ما يزيد صعوبة الحفاظ على جودة المياه في ظل انهيار أجزاء واسعة من منظومة المياه والصرف الصحي.
ويشير العكلوك إلى أن السكان يعتمدون كذلك على مياه البحر في بعض الاستخدامات، في وقت بلغت فيه نسبة التلوث في مياه البحر 80%، كما ثبت وجود طفيليي الأميبا والجيارديا في مياه الشرب وفق وزارة الصحة.
ويظهر انعكاس ذلك يوميًا في أعداد المرضى الذين يصلون إلى المستشفيات وعيادات الرعاية الأولية، بعدما أصبحت المياه التي يفترض أن تكون وسيلة للحفاظ على حياة النازحين واحدة من طرق انتقال المرض إليهم.
في غزة، لم تعد الحرب شيئًا يحدث من حول الناس، بل صارت جزءًا من يومهم وحياتهم وتفاصيلهم الصغيرة. ومع استمرار الكارثة الإنسانية، يجد الغزيون أنفسهم يعيشون داخل آثارها، يومًا بعد يوم، ويدفعون ثمنها حتى في أمور كانت قبل الحرب تبدو عادية وبسيطة.

























































