اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦
خاص - شهاب
مع انقضاء عام كامل على إقرار اتفاق وقف إطلاق النار والبروتوكول الإنساني الملحق به (الموقع في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، يقف قطاع غزة أمام واقع إنساني وإغاثي شديد القسوة، يكشف الفجوة الصارخة بين البنود المدونة على الورق والواقع الميداني المعاش.
فعلى الرغم من الرهان على الاتفاق للبدء بمرحلة التعافي وكسر حدة الأزمة، تؤكد البيانات الميدانية والتحليلات الاقتصادية أن سلطات الاحتلال 'الإسرائيلي' تنصلت بشكل ممنهج من تعهداتها الإنسانية والقانونية، مستبدلةً الإغاثة غير المشروطة بـ 'هندسة تجويع' وإغلاق مستمر للمعابر.
بنود البروتوكول والواقع الميداني
في تفنيد دقيق ومفصل للواقع الميداني وما وصل فعلياً مقارنةً بالالتزامات المُقرة، وضع الدكتور إسماعيل إبراهيم الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، عدة حقائق مهمة أمام المجتمع الدولي والإعلام.
وأكد الثوابتة في تصريحٍ خاص لوكالة (شهاب) أن انقضاء عام كامل على إقرار اتفاق وقف إطلاق النار والبروتوكول الإنساني الملحق به يمثل محطة فارقة للوقوف أمام التزامات المجتمع الدولي والجهات الضامنة، ومساءلة الاحتلال عن التنصل الممنهج من التعهدات الإنسانية والقانونية.
وذكر أنه كان من المفترض دخول ما لا يقل عن 600 شاحنة يومياً تشمل المواد الغذائية، والمستلزمات الطبية، والوقود، والسلع التجارية الأساسية لجميع مناطق القطاع دون قيود.
وبحسب الثوابتة، لم يتجاوز المتوسط اليومي الفعلي نسبة 35% من العدد المقرر، مع استمرار الإغلاق المتكرر للمعابر واستخدام سياسة 'التقطير' والمماطلة في إجراءات التفتيش والتعطيل المتعمد لسلاسل الإمداد.
وأشار الثوابتة إلى استمرار فرض قيود مشددة على كميات الوقود المخصصة لمحطات توليد الطاقة، ومحطات تحلية وضخ المياه، والمستشفيات، حيث لا يغطي الوارد سوى الحد الأدنى لتشغيل المرافق الحيوية في حالة طوارئ دائمة، مما شل حركة البلديات وشبكات الصرف الصحي.
ولفت إلى أن الاحتلال يرفض بشكل قاطع إدخال المواد الأساسية للإيواء، والتي تشمل: الخيام المقاومة للعوامل الجوية، الشوادر البلاستيكية، البيوت المتنقلة (الكرفانات)، الأخشاب، ومستلزمات العزل الحراري، إلى جانب الملابس الشتوية والأغطية بكميات تغطي الحاجة الميدانية.
وحذر الثوابتة من الخطر المحدق بمئات الآلاف من النازحين مع اقتراب فصل الشتاء، حيث يواجهون في المخيمات ومراكز الإيواء خطر الغرق وانهيار الخيام المهترئة التي استُهلكت على مدار عام كامل تحت حرارة الصيف ورطوبته، مما ينذر بكارثة صحية وانتشار للأوبئة بين الأطفال وكبار السن في ظل انعدام التدفئة وتسرب مياه الأمطار والسيول.
وأفاد بأن الاحتلال يواصل إدراج معدات الدفاع المدني ضمن قوائم 'الاستخدام المزدوج' المحظورة؛ حيث يُمنع إدخال الحفارات والرافعات لإزالة الركام وانتشال آلاف المفقودين، فضلاً عن منع سيارات الإطفاء والإنقاذ، وقطع الغيار للأسطول المتهالك.
وكشف الثوابتة أن جهاز الدفاع المدني يعمل حالياً بأقل من 15% من قدرته التشغيلية وبأدوات يدوية بدائية، ما يحرم طواقم الإنقاذ من القدرة على التعامل مع أي انهيارات متوقعة للمباني المتصدعة بفعل مياه الأمطار والرياح خلال الشتاء القادم.
وشدد الثوابتة على أن مستشفيات القطاع تتعرض لحصار تقني متعمد عبر منع إدخال الأجهزة الطبية الحيوية، مثل: أجهزة الرنين المغناطيسي، والتصوير المقطعي (CT)، وأجهزة الأشعة التداخلية، وتجهيزات غرف العناية المركزة وحضانات الأطفال.
كما يمنع الاحتلال، استيراد المولدات الكهربائية الصناعية البديلة للمولدات المدمرة، إلى جانب حظر قطع الغيار، وفلاتر غسيل الكلى، وأدوية الأورام والأمراض المزمنة، مما يحول المستشفيات إلى مراكز إسعاف أولي عاجزة عن تقديم العلاج التخصصي وإنقاذ حياة المصابين وأصحاب الحالات الحرجة. وفق الثوابتة.
وفي سياق المسؤوليات القانونية والمطالب، دعا الثوابتة إلى إلزام الاحتلال بفتح كافة المعابر البرية ورفع القيود المفروضة على دخول المساعدات، والانتقال من منطق 'الإغاثة الرمزية' إلى الإدخال غير المشروط لكافة متطلبات الحياة وإعادة التأهيل.
وشدد على ضرورة التدخل العاجل لإدخال حقائب الشتاء ومستلزمات الإيواء دون قيد أو شرط قبل تفاقم الأحوال الجوية، وتأمين كرفانات سكنية لائقة لحماية العائلات المهجرة.
وطالب الثوابتة بالإفراج الفوري عن معدات الإنقاذ والآليات الثقيلة للدفاع المدني والمستلزمات الطبية المحتجزة في الموانئ والمستودعات خارج المعابر، داعيًا الأمم المتحدة والدول الراعية للاتفاق لتشكيل لجنة مراقبة وتدقيق دولية توثق الخروقات الإنسانية وتلزم سلطات الاحتلال ببنود البروتوكول الموقع وقواعد القانون الدولي الإنساني.
قراءة اقتصادية.. كيف أدار الاحتلال 'هندسة التجويع'؟
وفي سياق متصل، كشف الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر عن التفاصيل الرقمية للآلية التي أدار بها الاحتلال 'الإسرائيلي' الحصار والتقنين طوال عام من وقف إطلاق النار.
وقال أبو قمر: 'كان هناك أمل لدى الغزيين مع مرور عام على وقف إطلاق النار أن يقدم الاتفاق بعض الشيء من ناحية الإغاثة والتعافي والمساعدات، لكن الاحتلال نجح لأسف في إدارة هندسة التجويع'.
وبيّن أبو قمر بلغة الأرقام أنه كان من المفترض وفق البروتوكول الإغاثي دخول 500 شاحنة يومياً، لكن ما يدخل في أحسن الأحوال يتراوح بين 200 إلى 250 شاحنة بالمتوسط (أي نحو 40% فقط)، فضلاً عن دخول كميات قليلة جداً من أصل 50 شاحنة محروقات مُقرة.
ولفت أبو قمر خلال حديثه لـ(شهاب) إلى أن طبيعة المساعدات المقدمة تشوبها سياسة إغراق بصنف أو صنفين كالطحين والمعلبات، مع تعمد منع المواد ذات القيمة الغذائية المرتفعة، ومستلزمات الإيواء، والأدوية، والمواد الخام كالمسامير وزيوت السيارات.
وكشف أبو قمر عن سلوك 'إسرائيلي' خبيث تمثل في تقليص شاحنات المساعدات مقابل زيادة الشاحنات التجارية مع تثبيت العدد الكلي؛ حيث انقلبت المعادلة من 70% مساعدات و30% تجاري في بداية الاتفاق، إلى 70% تجاري و30% مساعدات في الوقت الحالي.
وحذر أبو قمر من أن زيادة الشاحنات التجارية تأتي في وقت تعتمد فيه 95% من الأسر على المساعدات ولا تملك قدرة على الشراء، مع فرض إتاوات وتنسيقات مرتفعة الأسعار، مما يجعل التركيز على شاحنات المساعدات هو الأهم.
وتطرق أبو قمر إلى مستلزمات الإيواء 'الأساسية' مع اقتراب الشتاء بينما يُمنع إدخالها من قبل الاحتلال، وتُباع الشوادر القليلة بأسعار خيالية، مشدداً على أن عاماً كاملاً من وقف إطلاق النار لم يكن سوى أضحوكة وسردية تضليلية، بينما يستمر القصف عسكرياً وتقنين المساعدات إنسانياً.
وتُظهر المعطيات الميدانية التي حصلت عليها وكالة (شهاب) من المكتب الإعلامي الحكومي والقراءات الاقتصادية الموثقة أن العام المنقضي على بروتوكول التهدئة لم يحقق الاختراق الإغاثي المأمول، وإنما تحول إلى أداة لإعادة إنتاج الحصار وإدامة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة.

























































