اخبار سوريا
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ١٧ شباط ٢٠٢٦
مع التحوّلات السياسية في سوريا، بدأت موجة تحريض ضدّ سوريين يعملون داخل العراق، إذ انتشرت حملات على وسائل التواصل تطالب بترحيلهم أو تشكّك في وجودهم، وترافق ذلك مع إجراءات أمنية مشدّدة طالت أشخاصاً بتهم تتعلّق بإبداء التعاطف مع السلطة السورية الجديدة، أو الاحتفاظ بصور أو مواد اعتُبرت مؤيّدة لها داخل هواتفهم.
في المقاهي الشعبية في بغداد، كما في شوارع دمشق وحلب، لا يحتاج الناس إلى كثير من الشرح كي يجدوا خيطاً مشتركاً بينهم.
أسماء متشابهة، أكلات واحدة بأسماء مختلفة قليلاً، لهجات تتداخل، وحكايات هجرة وعمل وزواج عابرة للحدود منذ عشرات السنين. ومع ذلك، يكفي أن تفتح هاتفك اليوم لتجد أن البلدين يقفان على طرفي مواجهة مفتوحة.
خلال الأشهر التي أعقبت سقوط نظام بشّار الأسد حتى اليوم، تصاعدت موجة من الخطابات العدائية على وسائل التواصل بين مستخدمين عراقيين وسوريين: مقاطع تهديد، شتائم، تهم متبادلة، وتحريض لا يهدأ. المشهد يبدو كأنه انفجار مفاجئ، لكنّه في الحقيقة نتيجة تراكم طويل من الحروب والذاكرة الطائفية والسياسة الإقليمية، التي لا تتوقّف عن إعادة خلط الأوراق.
ومع التحوّلات السياسية في سوريا، بدأت موجة تحريض ضدّ سوريين يعملون داخل العراق، إذ انتشرت حملات على وسائل التواصل تطالب بترحيلهم أو تشكّك في وجودهم، وترافق ذلك مع إجراءات أمنية مشدّدة طالت أشخاصاً بتهم تتعلّق بإبداء التعاطف مع السلطة السورية الجديدة، أو الاحتفاظ بصور أو مواد اعتُبرت مؤيّدة لها داخل هواتفهم. وانتشرت حينها قصّة شخص رُفعت بحقّه قضيّة، وتبيّن أنه يحتفظ بصورة للرئيس السوري الجديد، قبل أن يُفرج عنه لاحقاً ويغادر إلى سوريا، في حادثة جرى تداولها بكثافة على المنصّات، بوصفها دليلاً على حجم التوتّر الذي رافق تلك المرحلة.
ورغم أن الاحتقان بقي في أغلبه ضمن فضاء الإنترنت، فإن الخطاب العدائي استمرّ بالتصاعد، خصوصاً مع كلّ تطوّر أمني أو سياسي جديد. وظهر ذلك بوضوح في الجدل الذي رافق ملفّ نقل معتقلي تنظيم 'داعش' من سجون سوريا إلى العراق، حيث عادت موجات التحريض إلى الواجهة، وتحوّلت بعض المنصّات إلى ساحات تعبئة مفتوحة.
خلال الأسبوعين الماضيين، انتشرت مقاطع مصوّرة تُظهر ناشطين وإعلاميين ورجال دين عراقيين قرب الحدود السورية – العراقية، يوجّهون تهديدات علنية تجاه الداخل السوري، متوعّدين أيّ شخص يحاول 'الوصول إلى كربلاء' بالعقاب، في خطاب تعبوي سريع الانتشار على المنصّات الرقمية.
ينشط بعض هؤلاء على منصّات التواصل الاجتماعي، مدعومين من جهات سياسية، سواء كانت شخصيّات أو مؤسّسات، وبعضهم منتسب إلى 'هيئة الحشد الشعبي'، لكنّ الأخيرة قامت بإعفائهم من مهامهم الأصلية، لتكريس نشاطهم في الترويج لتوجّهاتها عبر السوشيال ميديا.
كما يوجد بينهم شخصيّات اجتماعية تمتلك قاعدة متابعين واسعة على الإنترنت، تتلقّى أحياناً مبالغ مالية أو تسهيلات وحماية خاصّة، وبعضهم سبق أن اعتُقل بتهمة تتعلّق بـ'المحتوى الهابط'، ومع كلّ حدث يتعارض مع توجّهات هذه الجهات، يظهرون في المشهد أو على الترند، لتصعيد التحريض ونشر الخطاب الذي تمليه عليهم تلك المؤسّسات.
ولم يخلُ الجانب السوري من خطاب تصعيدي أيضاً، إذ انتشرت مقاطع ومواد إعلامية، تتضمّن لغة تعبئة طائفية وتهديدات موجّهة إلى العراق، أو إساءات لبعض مكوّناته الاجتماعية، ما أسهم في تغذية دائرة متبادلة من الاستفزاز والتصعيد، بحيث بات كلّ طرف يستند إلى مقاطع الطرف الآخر لتبرير هجومه. كما جرى تداول فيديوهات لأشخاص سوريين يلوّحون بقطع مياه نهر الفرات عن العراق، وأخرى يظهر فيها أشخاص يطالبون الرئيس السوري أحمد الشرع بالسماح بعبور الحدود باتّجاه الأراضي العراقية.
ورغم الضجيج المتبادل، فإن هذه الأزمة بقيت إلى حدّ كبير محصورة في فضاء السوشيال ميديا، دون أن تتحوّل إلى صدامات واسعة في الشارع، أو إلى قطيعة اجتماعية حقيقية بين الشعبين، خاصّة مع استمرار وجود جاليات سورية كبيرة في العراق، وعلاقات عمل ومصاهرة وتجارات متبادلة لا يمكن قطعها بسهولة، إلا أن المخاوف تزداد من أن يتحوّل هذا الاحتقان الرقمي إلى توتّر واقعي إذا استمرّ التصعيد دون احتواء.
في السياق، برز أيضاً التبدّل في الخطاب السياسي الرسمي، إذ لم تعد القطيعة الكاملة خياراً عملياً بين بغداد ودمشق. مثال واضح على ذلك ما حدث مع رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي كان في السابق يرفض أي تعاون مع الرئيس السوري الجديد ويحذّر من الانخراط معه، قبل أن يتحوّل خطابه لاحقاً إلى التأكيد على ضرورة التعاون والتنسيق الأمني والسياسي بين البلدين.




































































