اخبار سوريا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٩ تموز ٢٠٢٥
تل أبيب تحافظ على خطوطها الحمراء وتسعى لإقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح بدعوى حماية الدروز
جاء لقاء القمة السورية-الإسرائيلية في باريس بين وزيري الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية رون ديرمر والخارجية السورية أسعد الشيباني والمبعوث الأميركي توم براك، مفاجئاً حتى للإسرائيليين الذين كانوا يناقشون في ما سيبحثه اجتماع الطواقم الأمنية المهنية في أذربيجان، بهدف ضمان الهدوء بعد أحداث السويداء ومدى إمكانية تحقيق الأهداف الإسرائيلية وفي مركزها نزع السلاح والحفاظ على المنطقة العازلة.
لقاء القمة الذي بادر إليه براك وضع نقاطاً أولية ومبدئية لتحقيق الهدف الآني بعدم احتدام التوتر وتصعيده، عبر خطوات عملية وفورية تشرف على تنفيذها الولايات المتحدة، وهي في مضامينها، وكما أكد أكثر من مسؤول إسرائيلي، تحافظ على الخطوط الحمراء التي وضعتها إسرائيل في كل ما يتعلق بالمناطق التي تسيطر عليها والمنتشر فيها جيشها إلى جانب المنطقة العازلة، التي تسعى في هذه الأثناء إلى تعزيزها سواء بعمليات في الميدان والتي بدأت فيها منذ مطلع الأسبوع بترسيم حدود جديدة تتجاوز خط وقف النار المتفق عليه منذ عام 1974، أو عبر مناقشتها مع الطواقم الأمنية التي ستواصل اللقاءات والمحادثات بينها.
وحظي اللقاء باهتمام واسع هو الأول في هذا المستوى منذ عام 2000، إذ استضاف الرئيس الأميركي بيل كلينتون، رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك إيهود باراك ووزير الخارجية السوري آنذاك فاروق الشرع، في إطار الجهود للتوصل إلى اتفاق سلام بين البلدين.
الإسرائيليون يعدون لقاء ديرمر والشيباني خطوة متقدمة وإيجابية وتبعث الأمل في عدم تصعيد الوضع داخل سوريا، على رغم الشكوك الإسرائيلية بمدى سيطرة الرئيس أحمد الشرع على الوضع، حتى إنهم يشككون في نياته، وهو ما يدفعهم أيضاً إلى الحديث عن تطبيع من نوع خاص.
بعد أكثر من أسبوع من أحداث السويداء واحتدام القتال والتوتر بعد تدخل إسرائيل تحت ذريعة الدفاع عن الدروز في سوريا، ومن جهة أخرى التهديدات الإسرائيلية وما نفذته داخل الأرض السورية من أعمال بنى تحتية جديدة لإقامة جدار ولرسم حدود جديدة، جاءت تفاهمات القمة لتمنع تكرار أحداث السويداء وأيضاً، كما أكد مسؤول إسرائيلي، تشكل ضمانة لاستمرار إسرائيل داخل مناطق انتشارها وحفاظها على خطوطها الحمراء الضامنة لأمن الدروز وأمن حدودها.
وبحسب الاتفاق، سيُفكك سلاح القنيطرة ودرعا المحاذيتين للحدود الإسرائيلية-السورية وهو مطلب إسرائيلي، وتمت الموافقة على تشكيل لجان أمنية محلية شرط عدم حمل الأسلحة الثقيلة.
أما في السويداء فينفذ الاتفاق على مرحلتين وتشرف على تنفيذه واشنطن وهو يتجاوب إلى حد كبير مع مطلب إسرائيل، ففي المرحلة الأولى منه تُسحب قوات العشائر المحلية وقوات النظام من قرى الدروز، على أن تقوم فصائل درزية بمسح القرى للتحقق من ذلك.
المرحلة الثانية تبدأ بعد تأكيد الفصائل الدرزية أن السويداء خالية من العشائر البدوية وقوات النظام، وعندها تقام مجالس محلية بمشاركة سكان السويداء، الذين سيُعينون للتعامل مع الموارد والخدمات المطلوبة داخل المنطقة.
تشكل المجالس لجنة لمراقبة وتوثيق انتهاكات الاتفاق، ولن يُسمح بدخول السويداء لأية منظمة أو هيئة مرتبطة بحكومة سوريا، بينما سيسمح لهيئات تابعة للأمم المتحدة بدخول المنطقة، وهو جانب عدته إسرائيل إنجازها الكبير.
أما منطقة الحدود وضمان أمنها فهذه ستتولى مهمتها الطواقم المهنية والأمنية الإسرائيلية والسورية، المتوقع عقد سلسلة لقاءات جديدة بينهما، وكل هذا يرتبط بمدى الالتزام بقمة باريس وإعادة الهدوء إلى الجبهة السورية على رغم استمرار انتشار وتوسيع تمركز الجيش الإسرائيلي فيها.
أكثر من مسؤول إسرائيلي اعتبر الاتفاق، في مجمله، إنجازاً يتجاوب مع المطالب الإسرائيلية ويضمن مصالح تل أبيب في سوريا، وعدم دخول عناصر النظام إلى البلدات الدرزية ونزع سلاحها، وهذه الجوانب بحسب الإسرائيليين بداية لتحقيق المطلب الإسرائيلي بأكمله بجعل الجنوب كله منطقة معزولة السلاح.
ويقول الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية عاموس يدلين إن 'الأهم في هذه المرحلة أولاً ضمان مصالح إسرائيل، وهي عدم تكرار أحداث السابع من أكتوبر على الحدود الشمالية وهذه مسؤولية الجيش الإسرائيلي ومصلحتها في ضمان نزع السلاح ومنطقة أمنية لمنع عودة الإيرانيين و’حزب الله‘ إلى سوريا والتمركز والتوسع فيها. أما مصلحة الدروز فلا تقل أهمية لأن علاقتنا مع الدروز تحتم حمايتنا لهم وعدم التخلي عنهم، وضمان مثل هذه الحماية في بلداتهم داخل الجنوب السوري تضمن أيضاً الأمن على حدودنا وعلى بلدات الشمال'.
وعاموس كغيره من سياسيين وأمنيين لا يتوقعون أن يبدأ توسيع اتفاقات أبراهام في سوريا، وإذا كان هناك أي احتمال قبل أحداث السويداء فقد أصبح بعيداً من التنفيذ. لكن بحسب يدلين 'صحيح أن التطبيع هو أفضل ما يمكن أن تحققه إسرائيل، لكن يكفي اليوم في ظل التطورات الأخيرة أن نصل إلى تطبيع من نوع خاص وهو التفاهم واستمرار وقف المواجهات والقصف والقتال بين إسرائيل والنظام السوري، وهذا أيضاً تطبيع لعلاقات أمنية'، ويضيف مؤكداً 'هناك حاجة للتوصل إلى اتفاق تطبيع لعدم الحرب وعدم وقوع أي هجوم من الطرفين. علينا التوصل إلى اتفاق يضمن في نهايته وقفاً دائماً للنار'.
في إسرائيل، أقامت مجموعة من الدروز بينهم الخادمون في الجيش غرفة طوارئ، وهم من يعدون أن ما فعلته إسرائيل غير كافٍ، وطالبوا بتدخل أكبر والدفاع المباشر عنهم.
في غرفة الطوارئ يجري التواصل مباشرة مع جهات درزية في السويداء التي تطلعهم من خلالها على كل تطور، وإذا تطلب الأمر يتم التدخل من طرف إسرائيل.
أما الطرف الآخر والمتمثل في لجنة التواصل مع سوريا ولجنة المبادرة الدرزية فيرفض هذا التدخل الإسرائيلي، ويعد وضع دروز سوريا شأناً سورياً وعربياً. وفي حديث مع 'اندبندنت عربية' عدَّ المحامي يامن زيدان عضو اللجنة التنفيذية في الحركة التقدمية للتواصل، الاجتماع المفاجئ في باريس بتوقيته ومضمونه ليس صدفة، وقال 'أي اتفاق لوقف الاعتداءات والجرائم المرتكبة بحق المدنيين وخصوصاً في السويداء مرحب به، لكن علينا أن نكون حذرين من أي اتفاق ومضمونه. اتفاق باريس محاولة لذر الرماد في العيون. فمضمونه في معظمه اتفق عليه سابقاً وما كانت هناك حاجة لاتفاق ووساطة خارجية ولا أميركية لحماية أنفسنا، كما أن توقيته مستهجن ومستغرب فهو جاء بعد اللقاء بين إسرائيليين وسوريين داخل أذربيجان، ويبدو أن هناك محفزاً معيناً لضمان مكاسب سياسية، لأن أي اتفاق يتطرق للشأن الداخل السوري عليه أن يكون أولاً بين السوريين أنفسهم، وهذا ما يضمن عدم الاقتتال الداخلي'.
ويضيف زيدان 'مهمة حماية الدروز هي مهمة سورية أولاً ثم عربية، واستغرب أن الدولة السورية في حاجة إلى تدخل ووساطة أميركية وإسرائيلية لكي تحمي مواطنيها المدنيين، سواء كانوا من الدروز أو غير دروز'.
وحذر زيدان من تداعيات فرض إسرائيل واقعاً على الأرض في سوريا واستغلال مثل هذا الاتفاق، وقال 'نحن أمام مشهد أهدافه سياسية تصب في صالح ومصالح ومطامع إسرائيل، وترسخ تدخلها'.
أما من ناحية تدخل إسرائيل تحت ذريعة حماية الدروز وتقديم المساعدات لهم، فبرأيه ما تفعله إسرائيل 'يتجاوز الأهداف الإنسانية ولا غرابة في أن يتم ذلك بالتنسيق الإسرائيلي-الأميركي'.