اخبار السعودية
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ١٦ شباط ٢٠٢٦
سلمى حداد - الخليج أونلاين
- الأسواق الناشئة تمثل 56–60% من الاقتصاد العالمي وتسهم بأكثر من 70% من النمو.
- السعودية تستحوذ على 45% من استثمارات رأس المال الجريء في الشرق الأوسط بنمو قياسي.
- 2026 قد يشكل عاماً محورياً للتخارجات وترسيخ نضج دورة رأس المال في المنطقة.
لم يعد السؤال المطروح في دوائر صنع القرار المالي يدور حول ما إذا كانت الأسواق الناشئة ستقود النمو العالمي، بل حول كيف ستُدار هذه القيادة في نظام اقتصادي دولي يتغير بسرعة.
ففي وقت تتباطأ فيه الاقتصادات المتقدمة تحت وطأة التضخم والديون وقيود السياسات النقدية، تتقدم الأسواق الناشئة لتملأ الفراغ، مدفوعة بوزن ديمغرافي متزايد، وتدفقات رأسمالية جديدة، ونماذج نمو أكثر مرونة.
وهذا التحول كان محور رسالة وزير المالية السعودي محمد الجدعان، في كلمته خلال 'مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة' الذي انطلق في 8 فبراير الجاري، حيث دعا إلى صياغة خريطة طريق عملية تمكّن هذه الاقتصادات من التكيّف مع مشهد عالمي يتسم بإعادة ضبط أنظمة التجارة والتمويل، وارتفاع المخاطر الجيوسياسية، وتراجع اليقين بشأن مسارات النمو التقليدية.
وزن متصاعد
وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصادات الناشئة باتت تمثل نحو 56% من حجم الاقتصاد العالمي، مقارنة بأقل من 40% قبل عقدين، وفق تصريحات المديرة العامة للصندوق كريستالينا جورجييفا في مؤتمر العلا بـ8 فبراير الجاري.
أما الجدعان فقد قدّم في كلمته خلال المؤتمر نفسه، تقديراً أكثر توسعاً، مشيراً إلى أن الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية تشكل نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وفق تعادل القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70% من النمو العالمي.
لكن هذا الثقل المتزايد لا يأتي دون كلفة، فقد حذّر الجدعان من أن أكثر من نصف الدول منخفضة الدخل تعاني من ضائقة ديون أو تقف على حافتها، في وقت تراجع فيه نمو التجارة العالمية إلى نحو نصف مستواه قبل جائحة كورونا، ما يفرض ضغوطاً مزدوجة على السياسات المالية والنقدية.
السعودية.. نموذج ناشئ
وسط هذا المشهد، برزت السعودية كأحد أكثر الأسواق الناشئة نشاطاً من حيث جذب رأس المال وتوسيع قاعدة الاستثمار الجريء.
ووفق بيانات منصة 'MAGNiTT'، ضخ مستثمرو رأس المال الجريء في الشرق الأوسط 3.8 مليارات دولار عبر 688 صفقة خلال 2025، بزيادة 74% على أساس سنوي، مع استحواذ السعودية على الحصة الأكبر من هذه التدفقات.
وذكرت البيانات نفسها أن نحو 50% من التمويل جاء من مستثمرين دوليين، وهو أعلى مستوى مشاركة خارجية تشهده المنطقة، ما يعكس انتقالها من سوق إقليمي إلى وجهة عالمية لرأس المال الخاص.
وعلى المستوى المحلي، بلغت الاستثمارات الجريئة في السعودية وحدها 1.72 مليار دولار خلال 2025، بنمو سنوي 145%، مع تنفيذ 257 صفقة، لتستحوذ المملكة على نحو 45% من إجمالي استثمارات رأس المال الجريء في الشرق الأوسط، حسب تقرير نشرته صحيفة 'مال' السعودية في يناير الماضي.
وما يميز التجربة السعودية ليس فقط حجم التمويل، بل انتقاله إلى مراحل أكثر نضجاً، فقد أوضحت شبكة 'سي إن إن الاقتصادية'، في تقرير نشرته بـ22 فبراير 2025، أن منظومة الشركات الناشئة في المملكة سجلت بين عامي 2020 و2024 معدل نمو سنوي مركب بلغ 49%، مع توسع ملحوظ في جولات التمويل من الفئة (A) والمراحل المتقدمة.
وخلال خمس سنوات، جمعت الشركات الناشئة السعودية نحو 3.87 مليارات دولار عبر 739 صفقة، في مؤشر على تحول السوق من بيئة تجريبية إلى منصة توسع إقليمي ودولي، وفق 'سي إن إن'.
الزخم لم يقتصر على الخليج، فقد بدأت الأسواق الناشئة دولياً عام 2026 بأداء قوي، مدعومة بتراجع الدولار إلى أدنى مستوياته في أربع سنوات. وقالت قناة 'CNBC' الأمريكية، إن هذا التراجع عزز شهية المستثمرين للأصول خارج الولايات المتحدة، ما أدى إلى مكاسب واسعة في الأسهم والعملات والسندات في الاقتصادات النامية.
وارتفع مؤشر 'MSCI' للأسواق الناشئة بنحو 11% خلال يناير 2026، بعد مكاسب 31% في 2025، وهو أفضل أداء منذ عام 2017، حسب 'CNBC'.
كما أظهرت بيانات شركة الأبحاث المالية الدولية 'EPFR' تدفقات بقيمة 109 مليارات دولار إلى أسهم آسيا خارج اليابان، و59 مليار دولار إلى أسواق ناشئة أخرى خلال العام الماضي، مقابل تخارج واسع من الأسهم الأميركية.
إلى أين تتجه الأسواق الناشئة؟
ويرى الخبير الاقتصادي منير سيف الدين أن ما تشهده الأسواق الناشئة حالياً يتجاوز كونه موجة تمويل قوية، ليعكس تحولاً بنيوياً في دور هذه الاقتصادات داخل النظام المالي العالمي.
ويؤكد سيف الدين، في حديثه لـ'الخليج أونلاين' أن ارتفاع نشاط الاندماج والاستحواذ في الشرق الأوسط بنسبة 41% خلال 2025 يمثل مؤشراً على دخول المنطقة مرحلة أكثر نضجاً في دورة رأس المال، حيث لم يعد التركيز منصباً على جذب التمويل فقط، بل على خلق مسارات خروج واضحة للمستثمرين.
ويشير إلى أن عام 2026 قد يكون مفصلياً في هذا السياق، إذا ما استمر زخم صفقات التخارج والطرح العام الأولي، موضحاً أن 'السوق التي تنجح في استكمال دورة الاستثمار من التمويل إلى التخارج تثبت قدرتها على إعادة تدوير رأس المال واستدامة النمو'.
وأضاف أن هذه المرحلة تعكس انتقال الاقتصادات الناشئة من نموذج يعتمد على تدفقات سيولة قصيرة الأجل إلى نموذج يرتكز على بناء شركات قابلة للنمو الإقليمي والعالمي.
وفي ما يتعلق بدعوة وزير المالية السعودي إلى وضع 'خريطة طريق' للأسواق الناشئة، يعتبر سيف الدين أن الطرح يعكس وعياً بالتحديات المقبلة، خاصة في ظل بيئة دولية تتسم بارتفاع الديون وتباطؤ التجارة وتقلبات الأسواق.
وأكد أن الاستقرار المالي وتعزيز كفاءة المؤسسات وتكامل الأسواق الناشئة مع النظام المالي العالمي تمثل شروطاً أساسية للحفاظ على الزخم الحالي، محذراً من أن أي اختلال في أحد هذه العناصر قد يعيد الاقتصادات النامية إلى دائرة الهشاشة أمام الصدمات الخارجية.
ويلفت إلى أن التحول الجاري لا يقتصر على المؤشرات المالية، بل يشمل تغيراً في بنية القطاعات المحركة للنمو، مع صعود التكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد المرتبطة بالطاقة النظيفة.
ويرى أن قدرة الأسواق الناشئة على توطين هذه القطاعات وبناء أطر تنظيمية مرنة ستحدد موقعها في الخريطة الاقتصادية المقبلة، خصوصاً في ظل المنافسة المتزايدة على جذب رؤوس الأموال العالمية.
ويضيف سيف الدين أن السعودية تمتلك فرصة لقيادة نموذج متقدم في هذا المسار، مستندة إلى عمقها الاستثماري وتوسعها في القطاعات غير النفطية، إلى جانب دورها المتنامي كمركز إقليمي لرأس المال الجريء.
كما يؤكد أن نجاح هذا النموذج يرتبط بترسيخ بيئة تشريعية مستقرة وتعزيز الشفافية والحوكمة، بما يطمئن المستثمرين ويشجع على ضخ استثمارات طويلة الأجل.










































