اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢ حزيران ٢٠٢٦
فهد الأحمري
حين تنقضي أيام التشريق، وتكتمل سيمفونية النجاح الكبرى لإدارة الحشود في المشاعر المقدسة، تتجه الأنظار والعدسات عادة نحو الخطط اللوجستية، وحوكمة التقنيات، والأرقام المليونية لضيوف الرحمن.
لكن ثمة فصلاً فريداً في قصة هذا الإعجاز السنوي، فصل يمر سريعاً في التقارير الرسمية، يكمن هذا الفصل في عمق «البيوت السعودية» التي كانت، وما زالت الينبوع الحقيقي والمصنع الأول لهذا التميز التاريخي.
لو دققنا النظر هذا العام، وكل عام، خلف كل ملامح الانضباط والطمأنينة، لوجدنا جيشاً بشرياً قوامه أكثر من أربعمئة وأربعين ألفاً من الكوادر الوطنية -وفق هيئة الإحصاء-.
هؤلاء الأبطال لم يقتصروا على جبهة دون أخرى، بل توزعوا شرياناً حياً يغذي كل مفاصل الرحلة المقدسة؛ من رجال أمن مخلصين، وكوادر صحية متفانية، إلى طواقم بارعة في قطاعات الحج، ورئاسة الحرمين، ومنظومات النقل والاتصالات التي ضبطت حركة الزمان والمكان، بجانب آلاف المتطوعين والمتطوعات.
هؤلاء لم يأتوا من فراغ، ولم تصنعهم برامج التدريب العابرة؛ بل هم ثمار بيوت سعودية من شتى أرجاء الوطن، غرست فيهم أن خدمة الحجيج شرف سيادي، وعقيدة متوارثة يوصي بها الآباء الأبناء.
إن التحية الحقيقية اليوم يجب أن توجه -بعد ولاة الأمر- إلى تلك الأسر التي ودّعت الأبناء والبنات قبل الموسم، ودفعت بهم نحو لهيب الشمس وحرارة الميدان، محملين بالدعوات والوصايا بأن يكونوا عوناً لكل لأهف، وسنداً لكل ضيوف الرحمن.
هذه البيوت أفرزت للوطن كفاءات أثبتت للعالم أن السعودي حين يرتدي بدلة الخدمة —أياً كان قطاعه— يذوب في إنسانيته، ويتحول إلى حارس طمأنينة، يرش الماء بابتسامة، ويوجه التائه برفق، ويدير منظومة النقل والاتصالات والصحة بروح يملؤها الفخر والولاء.
إنهم أربعمئة وأربعون ألف معْلَم حضاري وسفير منازل سعودية، يمثلون هويتنا في أبهى تجلياتها، ويؤكدون أن القوة الناعمة للمملكة لا تصنعها المنشآت الضخمة وحدها، بل يصنعها الإنسان الإيجابي المستقر الذي تخرّج من أسرة سعودية آمنت برؤية وطنها وقيم أمتها.
الحج في جوهره مدرسة للإتقان، والبيوت التي غذّت الميدان وقطاعاته اللوجستية والرسمية بهؤلاء الأبطال هي شريكة النجاح الأولى والضمانة الحقيقية لاستدامة هذا العطاء.
شكراً لكل بيت سعودي قدّم للكون نموذج حي في التضحية والإيثار، وهنيئاً لوطن يمتلك خلف كل منجز عظيم، أسر عظيمة تُرضع أبناءها الفخر، وتصنع من وفائهم مجدا يصفّق له العالم.
بصيرة.. تتسامى الأوطان، وتخلد منجزاتها، حين تتحول خدمة الإنسان إلى ثقافة عائلية تنبُت في فناء البيوت، لتثمر طمأنينة وسلاماً على وجه الأرض.










































