اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ أيار ٢٠٢٦
د. فايز بن عبدالله الشهري
لم يعد السؤال الجوهري في عالم الإعلام السياسي المعاصر حول من يملك المعلومة؟ بل عمّن يملك القدرة على تشكيل معناها، ثم زرعها في الوعي الجمعي بوصفها حقيقة. تلك هي النقلة العميقة التي شهدها الفضاء الإعلامي العام خلال العقدين الأخيرين؛ حين انتقل من سلطة الخبر إلى سلطة الإدراك، ومن احتكار نشر الوقائع إلى احتكار تأويلها. وبذلك، غادر الإعلام موقعه التقليدي بوصفه وسيطًا بين الحدث والجمهور، واستقر في وضع أكثر خطورة أن أصبح وأمسى منتجًا للواقع ذاته، ومهندساً لوعي الجماعات والدول.
هذا التحوّل لم يكن مجرّد تغير في أدوات الإعلام، بل في صياغة الحقيقة وطريقة تشكّلها في الوعي العام.. ففي زمن الصحافة الورقية كانت الحقيقة، 'مهما شابها من تحيز' معيارًا أخلاقيًا ومهنيًا لا يجوز التخلي عنه. أما في زمن المنصات الرقمية، فقد حلّت محلها قيمة أخرى وهي القابلية للتداول. فلم يعد الخبر يُختبر بمقدار صدقه، بل بمدى قدرته على إثارة الانفعال وتوليد 'الترند' وهكذا دخلنا، دون إعلان رسمي، عصر 'أين الحقيقة'، لا بوصفه انحرافًا مهنيًا، بل منظومة تشغيلية للإعلام برمته.
وبناء على ذلك، باتت الخوارزميات، بتعقيدها الخفي، تؤدي دور المحرر الإعلامي غير المرئي، فهي تمارس سلطة صامتة تتجاوز الرقابة التقليدية؛ فهي لا تمنع الرسائل بقدر ما تعيد ترتيب أحداث العالم أمام أعيننا. فهي ترفع رواية، وتدفن أخرى، وتعيد تشكيل ما ينبغي أن نراه 'مهمًّا' دون أن ننتبه إلى يدها الخفية. ومن المفارقات أن الجمهور الذي ظن أنه تحرّر من سلطة المؤسسات القديمة، وجد نفسه تحت وصاية بنية تقنية أكثر تعقيدًا وأقل مساءلة.
ولأن السياسة لا تترك فراغًا، دخلت الدول سريعًا إلى هذا الميدان، فلم تعد الحرب تُخاض على الحدود فقط، بل في تلك المسافة الفاصلة بين العين والعقل. وما يُعرف اليوم بـوصف الحرب المعرفية 'Cognitive Warfare' لم يعد استعارة نظرية، بل صار شكلًا جديدًا من الصراع؛ تُستهدف فيه العقول قبل الجبهات، ويُصاغ فيه الوعي قبل لحظة القرار نفسها. وهنا تتزاحم الجيوش الإلكترونية، ومزارع الحسابات، والذباب الرقمي، والمؤثرون ذوو الملايين، لتتحول إلى كتائب رقمية ضمن ترسانة الدول الحديثة. وفي الحروب الحديثة لم تعد الطائرة المسيّرة وحدها سلاحًا؛ فأحيانًا تكفي تغريدة دقيقة التوقيت لإحداث أثر يتجاوز أثر قذيفة.
وفي هذا المناخ، تآكلت فكرة المجال العام العقلاني التي تخيّلها الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس ذات يوم بوصفه فضاءً للنقاش العمومي، وبات أقرب إلى فسيفساء من 'غرف الصدى' المغلقة لا يلتقي الناس لتبادل الحجج، بل لتبادل الانفعالات. فالجمهور ما عاد كيانًا منسجمًا، بل جماعات متناقضة، لكل منها حقيقتها، وذاكرتها، وأعداؤها، وأبطالها. ولذلك، لم تعد القضية مجرد أزمة إعلامية وحسب، بل أزمة معرفية 'إبستمولوجية' كاملة، في إنتاج المعنى، وفي قدرة المجتمعات على بناء وعي مشترك.
ومن رحم هذا التشظي وُلد نمط جديد من الاستقطاب؛ ليس استقطابًا سياسيًا فحسب، بل معه ما يسميه الباحثون الاستقطاب العاطفي 'Affective Polarization'. حيث أصبحت الخلافات تُدار بالمشاعر لا بالأفكار، وأصبحت الهُوية أكثر قدرة على الحشد من الحجة. ولهذا لم يعد الإعلام في غالبه منصةً لتفسير العالم، بل مصنعًا للقلق الجماعي، وسوقًا مفتوحة لتجارة الخوف.
وحين تُصبح المؤسسات الإعلامية رهينة نموذج 'الأكثر زيارة وتداولًا' بمنطق 'النقرة'، يتراجع التحقيق الصحفي أمام الإثارة العاطفية، ويتقهقر العمق الإعلامي أمام السرعة. فالصحافة الرصينة التي تفخر بتعدد مصادرها حين تتسابق مع المنصات الرقمية، تفقد بذلك أهم قيمة لوجودها أصلًا وهي المصداقية.
واليوم لم تعد معركة الإعلام السياسي تدور حول من يسبق إلى الخبر، بل حول من يملك شرعية تفسيره. وفي زمن تتشظّى فيه الحقائق وتتنافس السرديات، يصبح السؤال من يملك شجاعة إيقاظ العقل؟ فالإعلام السياسي، في واقعه اليوم، لم يعد مرآةً للعالم المضطرب؛ لقد أصبح أحد أهم مهندسي اضطرابه. ومن هنا تبدأ مسؤولية الوعي في أن نقرأ ما وراء الشاشة، لا ما يظهر عليها فقط.
إذا غابَ وعيُ المرءِ ضاعَ يقينُه..










































