اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢٤ تموز ٢٠٢٥
في مشهد يُجسد أفظع ما يمكن أن تصل إليه الكارثة الإنسانية، تنتشر يومًا بعد يوم صور جديدة لضحايا الجوع في غزة؛ أجساد هزيلة أشبه بالهياكل العظمية، وعيون غائرة تبحث عن فرصة للحياة وسط حصار خانق ومستمر، فرضه الاحتلال 'الإسرائيلي' على القطاع منذ أكثر من تسعة أشهر. ومع تصاعد المجاعة وغياب الغذاء والدواء، تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى شاشات لعرض الألم الفلسطيني، وباتت صور الجوعى تفضح حجم الصمت العالمي والتقاعس الدولي.
محمد السوافيري.. جوعٌ حتى الموت
'كان جلدًا على عظم'.. بهذه العبارة اختصر أحد المسعفين مأساة الشاب محمد السوافيري، الذي فارق الحياة جوعًا بعد أن عجز جسده المنهك عن المقاومة. السوافيري، وهو شاب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جسّد بقصته واحدة من أبشع صور الحصار؛ حيث لم يتمكن من الحصول على أي مساعدات غذائية رغم نداءات الاستغاثة التي أطلقتها عائلته، وفارق الحياة بعد أن أنهكه الجوع.
أثارت صور محمد، التي انتشرت بشكل واسع على مواقع التواصل، موجة غضب وتعاطف؛ إذ بدا كأنه عائد من معسكر اعتقال نازي، وليس من منزل في غزة. وقال أحد المسعفين في فيديو وداعه: 'في السابق لم نتخيل أن يموت مواطن من الجوع، لكن اليوم في غزة أصبح الأمر واقعيًا... محمد لم يأكل من فترة طويلة، شو ذنبه حتى يموت بهذه الطريقة؟!'
وأكد أن استمرار دخول المساعدات بطريقة سياسية لا إنسانية يعني مزيدًا من الضحايا. وتابع بغصة: 'محمد مات، لكن هل يعتقد العالم أنه سيكون الأخير؟ لن يكون... طالما بقي الحصار، فالموت بالجوع مستمر'.
عبد الحميد الغلبان.. طفولة جائعة تنطفئ
في خان يونس، ودّعت عائلة الغلبان طفلها عبد الحميد، البالغ من العمر 14 عامًا، والذي لم يتحمل جسده الصغير تبعات المجاعة وسوء التغذية. فقد الحياة بصمت، كما يفعل الكثير من أطفال غزة هذه الأيام، بعد أن فشلت المنظمات الدولية في الوصول إليهم بالغذاء والدواء.
شهدت الأيام الأخيرة وفاة أكثر من عشرين شخصًا بسبب الجوع خلال 48 ساعة فقط، ما ينذر بكارثة متفاقمة.
عبد الحميد لم يكن يعاني من أمراض مزمنة، لكنه فقد القدرة على الحركة تدريجيًا، ثم على البلع، قبل أن يتوقف قلبه بلا دواء، بلا طعام، بلا أمل.
قال والده، وهو يدفنه بيديه المرتجفتين: 'ما كان لازم يموت.. كل اللي طلبناه كيس طحين وكيلو رز.. بس ما وصل، ولا حدا سمع'.
عبد الله وحبيبة أبو زرقة.. الموت ينتظر الدور
لم تكن مأساة عائلة أبو زرقة مجرد حدث عابر؛ فقد فقدت الأم طفلها الأول، محمد، بعمر عامين، بسبب تضخم الكبد والطحال، واليوم تودع الحياة قطعة قطعة وهي تشاهد طفليها الآخرين، عبد الله (5 سنوات) وحبيبة (5 أشهر)، يصارعان الموت.
عبد الله يعاني من هشاشة العظام الحادة، مما سبب له تشوهًا في القفص الصدري أدى إلى الضغط على رئتيه وتمزقهما جزئيًا، مع انحناء في الساقين، وفقدان الحركة، وتساقط شعره نتيجة سوء التغذية ونقص فيتامين 'د'. لم يتمكن الأطباء من توفير الحليب المناسب له، ولم تُمنح العائلة تصريحًا لسفره للعلاج في الخارج.
حبيبة، الطفلة الرضيعة، تعاني من تضخم في الكبد نتيجة تسمم الدم أثناء الحرب، ما أدى إلى انتفاخ شديد في البطن واحتباس الغازات، إلى جانب حاجة ماسة لحليب خاص غير متوفر في الأسواق المحاصرة. الأم تحاول إرضاعها بما تبقى من قوتها، وسط قلق دائم من أن تفقدها كما فقدت محمد.
تقول أم محمد : 'أنا مش عارفة كيف أكمل حياتي... لما أشوف محمد وهو تحت التراب، وعبد الله وحبيبة بين الحياة والموت، بحس إني أنا اللي بموت كل يوم شوي'.
أرقام كارثية.. وتقرير أممي صادم
وفقًا لتقرير صدر مؤخرًا عن منظمة اليونيسف، فإن قطاع غزة يشهد واحدة من أسرع الأزمات الإنسانية تفاقمًا في العالم. التقرير كشف أن أكثر من 900 حالة وفاة تم تسجيلها بسبب المجاعة وسوء التغذية، بينهم 71 طفلًا على الأقل منذ بدء الحرب.
وأكد التقرير أن 70% من سكان شمال غزة يواجهون خطر المجاعة الحادة، وأن أكثر من 90% من الأطفال دون سن الخامسة يعانون من أشكال متعددة من سوء التغذية، مثل الهزال والتقزم، بفعل الحصار الممنهج ومنع دخول الغذاء.
كما أشار التقرير إلى أن التأخر في إدخال المساعدات وعرقلة قوافل الغذاء والماء والدواء من قبل الاحتلال 'الإسرائيلي'، ساهم بشكل مباشر في ارتفاع أعداد الوفيات، مؤكدًا أن: 'كل ساعة تأخير تعني فقدان حياة جديدة'.
وزارة الصحة في غزة، وفي بيان عاجل، أعلنت أن مستشفيات القطاع سجّلت خلال الـ24 ساعة الماضية 15 حالة وفاة بسبب المجاعة وسوء التغذية، بينهم 4 أطفال.
وبذلك يرتفع العدد الإجمالي لوفيات المجاعة وسوء التغذية إلى 101 حالة وفاة، بينهم 80 طفلًا، منذ بداية الحرب.