اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شمس نيوز
نشر بتاريخ: ٣٠ أب ٢٠٢٥
في غزة، لم تعد الحرب مجرد قصف يطال الحجر، بل أصبحت عاصفة تجتاح الإنسان والأسرة معًا. ففي كل بيت حكاية ألم، وفي كل زقاق قصة نزوح وفقدان. بينما تتساقط المنازل تحت نيران الغارات، تتهاوى معها الروابط الأسرية التي لطالما شكّلت الركيزة الأولى لصمود المجتمع الفلسطيني. اليوم، لم يعد الخطر الأكبر في القنابل، بل في تفكك العائلات وتشتيت أفرادها، ليبقى السؤال: كيف يمكن إعادة ترميم هذا النسيج الاجتماعي الممزق وسط الدمار؟
لم تكتفِ الحرب الدامية على قطاع غزة بإزهاق الأرواح وتدمير البيوت، بل تجاوزت ذلك لتصيب النواة الأساسية للمجتمع الفلسطيني: الأسرة. في ظل القصف المستمر والنزوح القسري، تتفكك الروابط العائلية شيئًا فشيئًا، ليصبح اجتماع أفراد الأسرة تحت سقف واحد حلمًا بعيد المنال.
وقالت المواطنة حنان محمود بان تأثير الحرب الأخيرة على الأسرة الفلسطينية؟
بانها لم تترك جانبًا من حياة الناس إلا وأصابته. الأسرة كانت الأكثر تضررًا لأنها النواة الأساسية للمجتمع. النزوح القسري وتدمير المنازل وتشتت أفراد العائلة بين مراكز الإيواء والمناطق المختلفة أدى إلى انفصال عاطفي وجسدي كبير. هناك أمهات لا يعرفن مكان أزواجهن منذ أسابيع، وأطفال فقدوا حنان الأسرة بالكامل.
كما قالت أبرز مظاهر التفكك الأسري التي رصدتموها خلال الأشهر الماضية؟
أولًا: التشتت الأسري نتيجة النزوح، حيث أصبحت العائلات موزعة على عدة أماكن.
ثانيًا: الخلافات الزوجية التي ازدادت بسبب الضغوط النفسية والاقتصادية، ما أدى إلى ارتفاع حالات الطلاق.
ثالثًا: فقدان المعيل، إذ استشهد عدد كبير من أرباب الأسر، ما وضع الأمهات تحت ضغط رهيب لتأمين احتياجات الأطفال.
وأخطر ما نراه اليوم هو الآثار النفسية على الأطفال، من قلق واكتئاب واضطرابات سلوكية.
وأضافت بان هذه الظاهرة مؤقتة أم لها آثار بعيدة المدى؟ وللأسف، الآثار طويلة المدى وخطيرة جدًا. نحن نتحدث عن جيل كامل قد ينشأ في بيئة غير مستقرة عاطفيًا، مما يؤدي إلى ضعف القيم الأسرية والاجتماعية. استمرار الحرب وتكرار الصدمات قد يخلق فجوة عميقة بين الأفراد، ويؤدي إلى خلخلة النسيج الاجتماعي بالكامل.
وأشارت الى من الممكن فعل بعض الاحتياجات لتخفيف هذه الأزمة؟
أولًا: توفير الدعم النفسي والاجتماعي للعائلات، خاصة الأطفال والأمهات.
ثانيًا: برامج إعادة لم الشمل للأسر المشتتة في أماكن النزوح.
ثالثًا: تمكين المرأة اقتصاديًا، حتى تتمكن من رعاية أطفالها في حال فقدان المعيل.
وأخيرًا ختمت يجب على المؤسسات والمجتمع الدولي دعم برامج إعادة الإعمار بسرعة، لأن البيت الآمن هو الأساس لاستقرار الأسرة.
أقول لكل أسرة: التماسك العاطفي أهم من أي شيء، فالحرب قد تسلب منّا البيت، لكنها لا يجب أن تسلب الروابط التي تجمعنا. دعم بعضنا لبعض هو مفتاح البقاء.
نزوح وتشرد.. بداية التفكك
آلاف العائلات اضطرت لترك منازلها المدمرة واللجوء إلى مدارس الإيواء أو الخيام المؤقتة، ما أدى إلى تشتت أفرادها بين مدن متباعدة. مشاهد الأطفال الذين افترقوا عن آبائهم، والأمهات اللواتي يبحثن عن أزواجهن بين الأنقاض، أصبحت مألوفة في يوميات غزة.
فقدان المعيل يضاعف الأزمة
الحرب حصدت أرواح آلاف المعيلين، ليجد الأطفال أنفسهم في مواجهة مسؤوليات أكبر من أعمارهم. هذا الواقع الجديد دفع بالكثير من الأمهات إلى العمل في ظروف صعبة لتأمين لقمة العيش، بينما يظل فقدان الاستقرار النفسي أكبر تحدٍ يواجه الجميع.
انعكاسات نفسية واجتماعية خطيرة
الضغط النفسي الهائل الناتج عن الخوف المستمر والظروف المعيشية القاسية أدى إلى تفاقم الخلافات الزوجية، وصولاً إلى ارتفاع ملحوظ في حالات الطلاق. أما الأطفال، فهم الأكثر تضررًا، إذ يعيشون صدمات متكررة تؤثر على سلوكهم وصحتهم النفسية، مما يهدد مستقبلهم الدراسي والاجتماعي.
تقول أم أحمد، نازحة من حي الشجاعية 'لم أرَ زوجي منذ شهرين. عندما قصف منزلنا افترقنا وسط الدخان والفوضى. أنا مع أطفالي في مدرسة مكتظة، ولا أعرف إن كان لا يزال حيًا أم لا.'
خبراء يحذرون من آثار طويلة المدى
يحذر أخصائيون اجتماعيون من أن استمرار الحرب وما يرافقها من تفكك أسري قد يخلق جيلاً يعاني من اضطرابات نفسية وفقدان الثقة بالأسرة، ما يضعف التماسك الاجتماعي على المدى البعيد.
الحلول الممكنة
وسط هذه التحديات، يؤكد الخبراء على ضرورة:
إنشاء مراكز دعم نفسي للأسرة والطفل.
إطلاق برامج لإعادة لم شمل العائلات المشتتة.
تمكين المرأة اقتصادياً لتخفيف آثار فقدان المعيل.
تعزيز التوعية الأسرية لمواجهة الضغوط.
يبقى التفكك الأسري في غزة جرحًا عميقًا لا تلتئم آثاره سريعًا، فهو لا يقتصر على تشتت الجسد، بل يمتد ليهز أركان الروح والمجتمع. وبينما تتواصل الحرب وتشتد الأزمات، تصبح الحاجة ملحّة لبرامج دعم نفسي واجتماعي تحافظ على تماسك العائلات وتحمي مستقبل الأطفال. فالأسرة ليست مجرد مأوى، بل هي الحصن الأخير في وجه العواصف، وإن سقط هذا الحصن ضاعت أجيال بأكملها.