اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٩ أب ٢٠٢٥
بعد مشوار طويل من مدينة غزة إلى مخيمات وسط القطاع، فشل الأب حسام الشطلي في إيجاد مأوي يقيم فيه برفقة أسرته المكونة من 7 أفراد تحسباً لعملية عسكرية إسرائيلية بمدينة غزة.
الشطلي (50 عاما) قطع عشرات الكيلو مترات واستراح ليلة عند أحد أقربائه في مدينة دير البلح للبحث عن شقة أو غرفة سكنية لإيواء أسرته ووالدته المريضة قبيل وصول 'لحظة الصفر' واقتحام جيش الاحتلال غرب المدينة التي يتجمع فيها النازحون من أحيائها الشرقية وكذلك السكان النازحون من شمال القطاع.
أسرة الشطلي التي تعيش حاليا في بيتها المهدم جزئيا غرب ميدان فلسطين (الساحة)، تراه على أية حالة 'أنسب الموجود' و'أرحم الخيارات' في ظل الدمار الإسرائيلي الواسع لأحياء ومخيمات ومحافظات سكنية كما أنه 'أفضل بكثير من خيمة قماشية' أو دفع تكاليف نزوح باهظة الثمن والعيش في أماكن نزوح مكتظة وسط فقدان للخدمات المعيشية والصحية.
وسبق أن عايشت هذه الأسرة مرارة النزوح نحو الجنوب بداية حرب الإبادة في أكتوبر/ تشرين أول 2023م قبل أن تعود لغزة وفق اتفاق وقف إطلاق النار في 19 يناير/ كانون ثان الذي لم يمض منه إلى مرحلته الأولى وانقلبت عليه (إسرائيل) في 2 مارس/ آذار بإغلاق المعابر واستئناف الحرب الدموية.
ورغم قساوة تلك التجربة المريرة التي دامت أكثر من عام إلا أن 'باب خيار البقاء في المدينة أو النزوح مجددا' يشغل تفكيرها على مدار الساعة وسط قتامة المشهد السياسي والإنساني وارتفاع أعداد المجازر الإسرائيلية اليومية بحق المدنيين.
وبحسرة يكتمها في قلبه تحدث الأب لـ 'فلسطين أون لاين': 'بداية الحرب كان الفرد يمتلك مالا للإيجار أو النزوح أو المصاريف المعيشية.. أما الآن لم يعد الأمر على حاله، كل شيء تغير!'.
يقول: 'غزة تدمرت كلها ولا مكان آمن أو صالح للعيش فيها، الناس فقدت أموالها وذهبها وممتلكاتها، وحاليا الجميع يعيش الفقر والجوع'.
وحول مزاعم جيش الاحتلال بوجود أماكن للنزوح وسط القطاع أو جنوبه، فنّد تلك المزاعم التي يكذبها الدمار في جميع المخيمات عدا عن أعداد السكان والنازحين فيها، وتكاد فرصة العثور على 'غرفة أو شقة سكنية معدومة!'.
ويتجمع في مخيمات الوسط التي شهدت عمليات عسكرية برية محدودة مع استمرار الغارات الجوية صوب الأهداف المدنية والسكنية فيها، أعداد هائلة من السكان النازحين من محافظات رفح، خان يونس، شمال القطاع التي تشهد حتى اللحظة عمليات عسكرية مستمرة شملت تدمير جميع المباني السكنية.
وعن ذلك، أعلن رئيس بلدية دير البلح نزار عياش أن معظم المناطق الساحلية وسط القطاع ممتلئة بالسكان والنازحين ولا يوجد مساحات لاستيعاب نازحين جدد، مشيرا إلى أن الشقق السكنية شبه معدومة – وإن توفرت بأسعار مرتفعة- علاوة على عدم قدرة المواطن على توفير مبلغ الإيجار.
'إبرة في كومة قش'
ذات الحال، تكرر مع الجد عماد البربار (60 عاما) الذي قصد مشواره صباحا من المدينة صوب مواصي خان يونس (جنوب القطاع)، بحثا عن مخيم للنزوح أو قطعة أرض تصلح لإقامة عدد من الخيام لأبنائه وأشقائه.
وصل البربار الذي يسكن حي النصر بمدينة غزة، المنطقة التي يزعم جيش الاحتلال أنها آمنة بعد رحلة امتدت 4 ساعات قضاها متنقلا بين المركبات المهترئة والعربات التي يجرها الحيوان فوق طرقات مدمرة بأسنان الجرافات وجنازير الدبابات الإسرائيلية بغية الوصول إلى تلك المنطقة.
يقول في حديثه لـ 'فلسطين أون لاين': 'المشهد على ذاته.. دمار واسع وأعداد هائلة من سكان رفح وخان يونس تعيش في تلك المنطقة المكتظة بالخيام'.
تجّول الجد الذي فقد منزله بداية حرب الإبادة في تلك المنطقة مستغلا علاقاته العائلية والأصدقاء بحثا عن قطعة أرض إيجار لإقامة عدد من الخيام، لكن هذه المهمة أيضا بائت بالفشل.
يقول الرجل الذي أنهكته حياة الحرب والمجاعة صحيا وجسديا: 'لم أعثر على مكان فارغ.. المكان (المواصي) ممتلئة بخيام النازحين من خان يونس ورفح'، حتى أنه وصف مسألة العثور على مكان فارغ بـ'البحث عن إبرة وسط كومة قش!'
ويضيف: 'حتى لو وجدت مكان فارغا، لا تتوفر المياه في محيطه'، مؤكدا صعوبة الأوضاع الإنسانية والمعيشية في غزة التي تتعرض لحرب إبادة إسرائيلية مستمرة منذ نحو عامين.
وبعد يومين من البحث والرحلة المضنية، عاد الأب الشطلي والجد البربار لعائلاتهما بـ'خفي حنين' بعد أن فشلا في إيجاد مكانا (غرفة، شقة سكنية، قطع أرض، مخيما للنازحين).
وكغيرهما من أرباب أسر غزة التي يقطنها نحو مليون و200 ألف نسمة، لا يعلم هؤلاء ماذا سيفعلا في حال بدأت العملية العسكرية بريا في مدينة غزة التي تعرضت لعملية برية بداية الحرب ولا تزال الطائرات الحربية الإسرائيلية تقصف المنازل المدنية وخيام النازحين فيها دون رحمة أو شفقة.
'الموت .. لا النزوح'
'القتل والدمار في كل غزة، لا يوجد مكان آمن.. لا نملك المال ولا الطعام' لهذه الأسباب اتفقت عائلة أحمد عاشور على البقاء في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة مفضلة 'الموت على النزوح'.
وبقلب يملأه الهم والحزم على فراق نجله البكر شهيدا، وشعر أبيض يغزو رأسه ولحيته بعدما أنهكت المجاعة جسده، تساءل الأب لثمانية أبناء: 'من أين أجلب الأموال لتغطية مصاريف النزوح؟ من أين أجلب خيمة قماشية لأستر عائلتي؟'، واصفا النزوح القسري من منزله المدمر جزئيا إلى الجنوب بـ'الأمر المرعب!'.
وتقول منظمات إغاثية عاملة في غزة إنه منذ فرض جيش الاحتلال الحصار البري على جميع معابر ومنافذ القطاع في 2 مارس/ آذار الماضي لم يدخل إليه أية خيام أو شوادر أو مستلزمات إيواء حتى أن الموجودة أصبحت مهترئة وبالية بفعل الأحوال الجوية.
ولذلك، يتمسك عاشور بـ'الأمل والثقة في الله أن يحدث أمرا خيرا' لسكان غزة الذين أنهكتهم حرب الإبادة وتسببت بارتقاء أزيد عن 62 ألف شهيد وصولا للمجاعة التي تسببت أيضا بارتقاء 313 شهيدا من بينهم 119 طفلا.
وبينما يعتزم رئيس أركان جيش الاحتلال إليال زامير الأيام المقبلة تقديم خططًا عسكرية محدثة لاستمرار الحرب على القطاع بما في ذلك اجتياح مدينة غزة، كشفت صحيفة 'هآرتس' أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزراء (الكابينيت) رفضوا خطتين عسكريّتين على الأقل عرضهما زامير، وطلبوا منه عرض خطط أشدّ وأوسع.
تحذيرات إنسانية
وتعيش مدينة غزة في هذه الأوقات أكثر أوقات النزوح من مناطقها الشرقية وبلدات شمال القطاع إلى أحياء المدينة غربا حيث يصلها يوميا أعداد جديدة من النازحين، وتضطر الأسر النازحة الجديدة للإقامة في خيام مهترئة ومنازل الأقارب والأصدقاء الضيقة غرب غزة أو في مراكز الإيواء المتكدسة، وهناك الكثير منهم اضطروا للإقامة في العراء والبنايات المدمرة.
وحذرت جهات حكومية وحقوقية من مواصلة جيش الاحتلال عمليته العسكرية على أحياء مدينة غزة الأمر الذي ينذر بكارثة إنسانية غير مسبوقة.
وقال المكتب الإعلامي الحكومي إن تهديدات الاحتلال المتكررة ومخططاته لاجتياح مدينة غزة تنذر بكارثة إنسانية غير مسبوقة يتحمل مسؤوليتها الاحتلال وأمريكا والمجتمع الدولي.
وشدد الإعلام الحكومي على أن مخطط اجتياح مدينة غزة التي يقطنها أكثر من 1.3 مليون إنسان، بينهم ما يزيد عن 500 ألف طفل تمثل تصعيداً خطيراً وتهديداً مباشراً لحياة المدنيين.
ومن وجهة نظر، المرصد الأورومتوسطي لحقوق الانسان فإن مواصلة الاحتلال عدوانه وتوسيع عملياته لإحكام السيطرة العسكرية الكاملة غير القانونية على مدينة غزة، ينذر بارتكاب 'مذابح جماعية غير مسبوقة' بحق المدنيين ويقضي تماما على ما تبقّى من جهود الاستجابة الإنسانية التي تعاني أصلًا من الانهيار والعجز.
وحذرت أيضا وزارة الصحة من إخلاء جديد لمدينة غزة والذي سيلقي بآثاره على المرضى والذين يصعب نقلهم إلى أماكن أخرى، إما بسبب حالاتهم الصحية، أو بسبب عدم وجود أماكن كافية لاستقبالهم في مشافي وسط وجنوب القطاع، حيث بلغت نسبة إشغال الأسرة في مستشفيات القطاع حتى الأسبوع الماضي 300%.
وحتى قبل بدء العملية العسكرية الجديدة، ذكرت الأمم المتحدة أن أكثر من 780,000 ألف شخص نزحوا بعد عودة استئناف الحرب ضد غزة، فيما تدهورت حالة الملاجئ القائمة أو تُرِكت في ظل أوامر النزوح المتكررة، وهذا العدد سيتضاعف في حال نفذت أوامر إخلاء مدينة غزة.