اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة سوا الإخبارية
نشر بتاريخ: ١٨ أذار ٢٠٢٦
ما أقسى أن نقارن بين دمارينِ سيئينِ سببتهما حربُ الإبادة في غزة ، وأن نجيب عن السؤال: أي الدمارين هو الأقسى، دمار المدن، أم دمار النفوس؟ مع العلم أن الدمارين كارثيان، ولكن دمار الإنسان وما يترتب عليه من أمراض نفسية واجتماعية واقتصادية هو الأخطر، لأن دمار المدن يمكن إصلاحه، أما دمار النفوس فهو الأشد قسوة يصعب إصلاحه حتى خلال عقود طويلة، وما النتائج المترتبة على دمار بنية الإنسان النفسية والاجتماعية؟ إن الإجابة العلمية تحتاج إلى استبانات وتحليلات علمية دقيقة يقوم بها مختصون أكْفاء، ومن ثَمَّ يسهل استخلاص العبر والنتائج.
من خلال متابعتي الشخصية لما جرى لنا خلال سبعة شهور كاملة، كنتُ فيها شاهد عيان، أنام في خيمة تقع بين مدرستين، تضمان عدة آلاف ممن هُجِّروا من بيوتهم ولجأوا إلى المدرستين منذ السابع من أكتوبر 2023 ، أدركتُ أن المحتلين أعدوا خطةً للقضاء على أقدس قضية في العالم، وهي أن القضية الفلسطينية هذه القضية لا يمكن إضعافها أو إزالتها بتدمير المباني والمؤسسات فقط، بل يجب أن تكون بتدمير بنية الإنسان الإثنية، والاجتماعية، والنفسية، والتعليمية، فهي الطريق الذي سيسهل على المحتلين تفكيك قضية فلسطين، لأن الاحتلال جرَّب عددا من الحروب، وكانت تلك الحروب تزيد تمسك الفلسطيني بوطنه أكثر، إن الهدف الرئيس من حرب الإبادة الجارية أمرٌ مختلفٌ، هو تدمير الإنسان الفلسطيني نفسه، ثقافياً، واقتصادياً، وسياسياً، واجتماعياً، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا بعملية واسعة الآثار، تبدأ بهدم المدن وتدمير البيوت والتجويع والترحيل، لأن بيوت الفلسطينيين تساوي الحياة، لم يكتف المحتلون بذلك، بل عمدوا للتهجير والتجويع والحصار، ما أنتج استحداث أمراض نفسية خطيرة في المجتمع الفلسطيني!
كانت خطة الاحتلال الأولى تدمير النظام التربوي والتعليمي، لأن التعليم في فلسطين ظل هو المعول الرئيس للبنية النضالية الفلسطينية الصلبة، ولتحقيق ذلك هجَّر المحتلون معظم سكان غزة ليسكنوا في مباني المدارس، والمعاهد، والجامعات، لتصبح هذه المباني هدفا للتدمير أيضا، وتحت وطأة الضائقة والحاجة أقدم كثيرون من المهجرين على حرق أخشاب المدارس والكتب لإنضاج الطعام!
ما تزال إسرائيل تسعى لإفراغ غزة من مثقفيها وكبار التجار والمقاولين والأطباء الأكفاء والمهندسين، بمختلف الطرق والوسائل إما بتصفيتهم، وإما باعتقالهم وسجنهم أو تهجيرهم، هؤلاء هم العاملون الأكفْاء، مديرو عجلة الإنتاج!
شاهدتُ في بداية حملة الإبادة كثيراً من المناظر المَرضية الخطيرة الناتجة عن هذه الكارثة، شاهدتُ كثيرين من المهجرين ممن دمرت بيوتهم وأجبروا على النزوح ممن كانوا يبحثون عن بيوت للاستئجار، هذا الهلع المفاجئ لاستئجار ما بقي من البيوت في بعض المناطق التي لم تُدمَّر دفعت بعض أصحاب البيوت إلى امتهان الاستغلال، لأنها فرصة لا تُعوَّض للإثراء السريع، ما دفع بعض ضعفاء النفوس إلى استغلال المُهجَّرين بفرض أجرة شهرية باهظة، كذلك عمد عددٌ من أصحاب البيوت غير المدمرة إلى منافسة هؤلاء المهجرين في أماكن لجوئهم في المدارس والمكاتب العامة بادعاء أن بيوتهم مهددة بالتدمير، بسبب وجود أحد الأبناء ضمن كتائب حماس أو الجهاد الإسلامي، كذلك ليتمكن ضعفاء النفوس من الحصول على معونات وغذاء مجاني، حتى أن هناك من رأى في هذه المأساة فرصة لتعديل وضعه الاجتماعي والتحول من مقاعد الفقراء إلى منصات الأثرياء، هؤلاء ليسوا تجار حرب، وإنما هم في غالبيتهم طمعوا في الإثراء السريع، أكثر هؤلاء تحولوا من فقراء مساكين إلى طغاة مستبدين ومرضى نفسيين! شرع عددٌ منهم في إذلال واحتقار المهجرين ممن دُمرت بيوتهم!
أما أكثر المنتفعين الذين يمكن أن نطلق عليهم تجار الحروب ممن استغلوا هذه المأساة هم تجارٌ حزبيون، ظلوا يطمحون إلى تغيير البناء الاجتماعي السائد ليتسيدوا ويصبحوا طبقة أثرياء جديدة، قوامها امتلاك السلاح والقوة بالسطوة الحزبية!
كما أن تسمية (تجار الحروب) تنطبق كذلك على بعض العائلات كثيرة العدد والمالكة للسلاح، هؤلاء أعادوا تنظيم أنفسهم من جديد ليغيروا نظام الاستثمار الصحيح، الذي كان سائدا قبل كارثة السابع من أكتوبر، ليتحولوا إلى أغنياء على حساب المقهورين، باستخدام أسلوب احتكار البضائع، وفرض الأسعار التي يريدونها!
هذه السطوة الحزبية والأسرية المستحدثة قلبت أسس البنية الاجتماعية والنفسية، وأصبح كثيرون من تجار السوق السوداء الحزبيون يشترون عقارات التجار المفلسين والمستثمرين المجتهدين الباهظة الثمن!
اعتاد هؤلاء الأثرياءُ الجُدد سرقة البضائع المجانية، بحكم ما يملكونه من الميليشيات المسلحة، فلم تعد الكفاءات ولا الشهادات هي المقياس، وهذا بالتأكيد يتنافى مع أبجديات التربية الوطنية الفلسطينية المؤسَّسة على الاجتهاد والعمل!
كانت الغالبية العظمى من تجار الحروب في غزة هم من أعضاء الأحزاب التي لها السيطرة على غزة بحكم امتلاكها للسلاح، هؤلاء قرروا أن ينافسوا أصحاب السطوة العائلية للحصول على المنصب الأول في الإثراء، مما أنتج جرائم التصفيات الجسدية بتهم العمالة للأعداء، ما أدى إلى غياب القانون، مع العلم أن تهمة العمالة، للأسف، غير قابلة للنقاش في المجتمع الفلسطيني، جرائم القتل نُفَّذت بلا محاكمات أو محامين! أوجد الحزبيون من المبررات ما أتاح لهم أن يصبحوا الرقم الأول في الثراء، لأنهم برروا السرقة والثراء بشعار وطني غير قابل للنقاش، وهو أنهم ملزمون بدفع مرتبات رجال الشرطة والأمن، وأن ثراءهم الجديد لم يكن ناتجاً عن تجارة السوق السوداء، بل هو نظير حمايتهم لأمن الوطن!
كذلك استحدث هؤلاء الأثرياءُ الجُدد مهنة فريدة، لا مثيل لها في تاريخ العالم كله، وهي سلب أكثر من ربع مرتبات العاملين في السلطة الفلسطينية رقمياً، بعد أن منع المحتلون دخول الفكة النقدية، كذلك عمد هؤلاء الحزبيون المتنفذون إلى احتكار (الفكة) النقدية، بحيث يصعب على الموظف البسيط شراء سلع الغذاء من السوق، لأجل ذلك أُسست امبراطورية الاتجار بالمرتبات الرقمية في البنوك بحماية حاملي السلاح، هذه التجارة أنتجت مرضاً نفسياً خطيراً، وهو الربح السريع على شاشات الهواتف المحمولة داخل المكاتب بدون جهدٍ، وهذا بالتأكيد أسهم في إقناع معظم الشباب بعدم جدوى قضاء سنوات طويلة في المعاهد والجامعات لأجل الحصول على وظيفة حكومية صغيرة، أقنعتهم هذه المهنة بأن التعليم والاجتهاد والتخرج والشهادات مجهود عبثيٌ غير مربح إذا قيس بهذا الربح العاجل!
ولا يمكن أن أغفل مرضاً خطيراً آخر وهو ترويج الإدمان بين الشباب ممن فقدوا معاهدهم ووظائفهم، ولا أحد يعرف حتى اليوم كيف تمكن هؤلاء المروجون من الحصول على منتجات المخدرات في زمن الحصار الشديد، كان المروجون بائعو المخدرات ينفذون مخططات الاحتلال في إمراض البنية الاجتماعية الفلسطينية، بتحويل شباب فلسطين من منتجين عاملين إلى مرضى نفسيين يحتاجون للعلاج! سأظل أتذكر تقريراً صدر عن جمعية الصحة النفسية في غزة، قبل هذه الكارثة بستة عشر عاماً، ذكر التقرير أن 37% من شباب غزة ما بين سن 18-30 سنة يحتاجون إلى علاج نفسي، فما بالكم بعد كارثة السابع من أكتوبر، كم ستصبح نسبة الشباب المطلوب علاجهم؟!
إن المرأة الفلسطينية هي أيضا الضحية الأولى لهذه الكارثة، بما تحملته من مشاقٍ، كما أن معظم أطفال فلسطين وأدوا طفولتهم، وتحولوا إلى رجال وكهول مطلوب منهم؛ جلب الماء والطعام لذويهم من المرضى والمقعدين.
أخيراً يجب أن نجيب عن سؤالٍ بدون خطابات منبرية، وبدون حماسة واستعجال: هل نجح المحتلون في تدمير البنية الاجتماعية الفلسطينية؟ ما الحلول؟!.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

























































