اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٣١ أب ٢٠٢٦
خاص / شهاب
تلاحق فاطمة المغربي ، 65 عامًا، أكوام الملابس التي تنتظر الغسيل. تجلس أمامها وتبدأ قطعة تلو أخرى، تغمرها بالماء، تفركها بيديها، ثم تعصرها وتضعها جانبًا، قبل أن تعود إلى القطعة التالية. هكذا يمضي جزء من يومها، في مهمة لا تتوقف ما دامت ملابس العائلة بحاجة إلى الغسل.
فاطمة التي تتولى إعالة أسرتها، تحمل منذ قرابة ثلاثة أعوام عبء الغسيل اليومي إلى جانب مسؤولياتها تجاه أفراد عائلتها. لا توجد غسالة تختصر عليها هذه الساعات، ولا مهمة يمكن تأجيلها طويلًا؛ الملابس تتراكم، والماء الذي تحتاجه لكل غسلة لا يأتي بسهولة.
دوامة لا تنتهي
تغسل فاطمة ملابس أسرتها بيديها، وتتعامل مع الكميات المتراكمة بحسب ما يتوفر لها من مياه ووقت وطاقة. وما إن تنتهي من كمية حتى تجد أخرى بانتظارها، لتعود إلى المهمة ذاتها في اليوم التالي، وسط حياة نزوح أثقلت فيها الأعمال اليومية كاهل النساء.
تقول فاطمة إن أكثر ما تتمناه اليوم غسالة ملابس؛ شيء يختصر عليها ساعات من العمل اليدوي، ويخفف عن جسدها الذي أنهكته سنوات النزوح، ويترك لها وقتًا ومساحة لالتقاط أنفاسها بدل أن يبقى جزء كبير من يومها أمام الملابس والماء.
ولا تختلف حكاية سهام شهوان، 28 عامًا، كثيرًا، لكنها تعيش تفاصيلها مع أربعة أطفال لا تتجاوز أعمارهم العشرة أعوام، ما يجعل الغسيل عندها مهمة يومية متكررة لا تكاد تنتهي. تقول سهام إن رؤيتها لأطفالها بملابس نظيفة مثل بقية الأطفال تكلفها ساعات متواصلة من الغسيل اليدوي، فيما تتراكم الملابس من جديد قبل أن تستعيد جسدها قدرته على الراحة.
تقضي سهام أكثر من ثلاث ساعات يوميًا في غسل الملابس، تجلس خلالها أمام الكومة، تفرك القطع بيديها ثم تعصرها، وتواصل العمل حتى تنتهي الكمية التي أمامها. ومع تكرار الجلوس والغسيل يومًا بعد آخر، أصبح وجع المفاصل والظهر ملازمًا لها، فيما يضيف الجهد البدني إلى أعباء أخرى تحملها في حياتها اليومية.
تصف سهام الغسيل بأنه دوامة من التعب لا تنتهي؛ فما إن تنتهي من غسل ملابس أطفالها حتى تبدأ ملابس أخرى بالتراكم، ومع أربعة أطفال صغار لا تمر الأيام من دون كميات جديدة تحتاج إلى الماء والغسل والعصر والنشر.
ولا تستطيع سهام أن تشتري لنفسها وقتًا من خلال اللجوء إلى أماكن مخصصة لغسل الملابس مقابل المال. فقد تصل كلفة غسل ملابس أطفالها إلى نحو 20 شيكلًا يوميًا، وهو مبلغ لا تستطيع تحمله، خصوصًا بعدما فقد زوجها مصادر رزقه. لذلك تعود في كل مرة إلى الغسيل اليدوي، رغم ما يتركه من ألم وإرهاق.
بين فاطمة وسهام، لا يبدو الغسيل مهمة منزلية منفصلة عن بقية تفاصيل الحياة في النزوح؛ فقبل أن تصل الملابس إلى أيدي النساء، تبدأ حكاية أخرى مع المياه. الحصول على الماء نفسه أصبح جزءًا من العمل اليومي، ثم يأتي الغسيل، وبعده العصر والنشر والانتظار حتى تجف الملابس، قبل أن تبدأ الدورة من جديد.
الضغط على النساء
وتوثق منظمة أوكسفام في تقرير نشرته في يوليو/تموز 2026 هذا الوجه من الأزمة، بعدما أجرت مقابلات مع 21 امرأة وفتاة نازحة من مناطق مختلفة في قطاع غزة، وخلصت إلى أن انهيار خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة يترك آثارًا مختلفة على النساء، تمس صحتهن وسلامتهن وقدرتهن على تدبير تفاصيل الحياة اليومية.
وفي غزة، لا يتعلق نقص المياه بما تشربه الأسرة فقط. فالمرأة تحتاجها أيضًا لغسل ملابس أطفالها، وتنظيف مكان النزوح، والعناية بأفراد الأسرة، والحفاظ على الحد الأدنى من النظافة. وعندما تصبح الكمية المتاحة محدودة، يتحول كل استخدام للماء إلى حساب آخر، فيما تبقى الملابس بحاجة إلى الغسيل مهما ضاقت الموارد.
وتظهر بيانات حديثة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة حجم هذا الضغط على النساء؛ إذ تشير بيانات في غزة إلى أن 1.1 مليون امرأة وفتاة يفتقرن إلى الوصول إلى المياه النظيفة، فيما تعيش نحو 690 ألف امرأة وفتاة في ملاجئ مكتظة. كما أظهرت البيانات أن 95% من الأعمال التي تشغّل النساء أغلقت أبوابها، ما يضاعف اعتماد كثير من النساء على المساعدات أو الموارد المحدودة داخل الأسر.
ولا تقف آثار هذا الحرمان عند التعب الجسدي. ففي تحليل حديث لهيئة الأمم المتحدة للسكان عن اتجاهات العنف القائم على النوع الاجتماعي في غزة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، جاءت الإساءة النفسية والعاطفية بنسبة 34% من الحالات المبلغ عنها، فيما شكّل الحرمان من الموارد والفرص والخدمات 32%، في ظل النزوح وتدهور ظروف المعيشة وانهيار الخدمات الأساسية.
يبدأن من جديد
وفي تفاصيل الحياة اليومية للنساء، تصبح النظافة نفسها معركة مستقلة. ففي تقرير نشرته هيئة الأمم المتحدة للسكان في 20 أغسطس/آب 2026، بعد ورشة متخصصة عقدت في يونيو، جرى توثيق نقص شديد في مستلزمات النظافة الخاصة بالدورة الشهرية، إلى جانب عدم كفاية مرافق المياه والصرف الصحي واستمرار مشكلات الخصوصية والوصمة، بما يجعل تلبية الاحتياجات الأساسية للنظافة أكثر صعوبة على النساء والفتيات.
هذه الأرقام لا تروي قصة فاطمة وسهام وحدهما، لكنها تضع ما تعيشانه داخل واقع أوسع؛ نساء يحملن مسؤولية أسرهن، ويبحثن عن الماء، ويغسلن الملابس، ويرعين الأطفال، بينما تتقلص الموارد من حولهن وتزداد كلفة كل مهمة.
ومع أربعة أطفال، تعرف سهام جيدًا أن الملابس لن تنتظر تحسن الظروف. الطفل يحتاج إلى تغيير ملابسه، والفراش يحتاج إلى الغسل، والملابس التي جرى غسلها بالأمس ستحتاج إلى الغسل من جديد. لذلك لا تستطيع أن تتعامل مع الغسيل باعتباره مهمة يمكن الانتهاء منها مرة واحدة؛ إنه عمل يعود كل يوم، ويأخذ من وقتها وجسدها الجزء نفسه من اليوم.
أما فاطمة، فتعود إلى الملابس التي تنتظرها، تمسك قطعة أخرى وتبدأ فركها بالماء والصابون. في مكان النزوح، لا تحتاج المرأة إلى كثير من الأشياء كي تعرف معنى الراحة؛ أحيانًا تختصرها في جهاز واحد يقوم عنها بما تفعله بيديها منذ قرابة ثلاثة أعوام.
ذلك هو الحلم الذي تختصر فيه فاطمة شيئًا من التعب، وتراه سهام وقتًا يمكن أن تمنحه لأطفالها بدل أن تمنحه لكومة لا تنتهي من الملابس. وبينهما نساء كثيرات ما زلن يجلسن كل يوم أمام الغسيل نفسه، يغسلن بأيديهن، يعصرن بأيديهن، ثم يبدأن من جديد.

























































