اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة سوا الإخبارية
نشر بتاريخ: ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
منذ العام 1989 أوثق وجع الأسرى، حتى صرتُ أنا الوجع، من ممرات 'مستشفى الشفاء' إلى جحيم 'سيديه تيمان'، تحولتُ من كاتبٍ للخبر إلى الخبر ذاته، وإلى رقمٍ بمسلسل إعدامٍ يومي، حيث الدقيقة سنة من الألم، والموت رفيقٌ لا يغادرنا.
هناك في 'سيديه تيمان' العسكري، كانت تجري ضد الفلسطيني حرباً أخرى صامتة بعيداً عن عدسات الكاميرات، يجبرك الجنود المدججين بالسلاح على الجلوس على ركبتيك لـ 17 ساعةً يومياً، مكبل اليدين ومعصوب العينين، ممنوع من الكلام أو النوم أو الصلاة أو الحركة، وإلا تتعرض لعقاب شديد.
منذ البداية يُحاولون أن يُفقدوك انسانيتك، عندما تتحول الى رقم في سوارٍ بلاستيكيّ في يدك، وتُمنعَ من كل حقوقك الإنسانية، محاصراً بقوات عسكرية مستنفرة، وكاميراتٍ تراقب وتسجل كل حركة وكلمة وسكنة للأسرى، الذهاب إلى الحمام معاناة لا تنتهي وإذ حظيت بها فلدقيقة واحدة فقط، والبرد الشديد يضرب عظامنا، فالملابس بسيطة خفيفة والبطانيات قليلة مهترئة، والظروف النفسية تعصف بالجميع.
التفتيش العاري، الصعق الكهربي، الاهانات والألفاظ البذيئة، الضرب المبرح، الاعتداءات الجنسية، تبول الجنود والكلاب على الأسرى، الضغط على الأعضاء التناسلية 'الاخصاء الممنهج'، الحرمان من النوم، التجويع، تكسير العظام، قلع الأظفار، الشبح، إطفاء أعقاب السجائر في أجساد الأسرى، العزل، منع الزيارات، كلها سياسة إسرائيلية مشددة، لم يكن هناك أي خطوطٍ حمراءَ، مارسوا كل عنصريتهم وساديتهم علينا.
حتى ما يسمونه قانون 'إعدام الأسرى' هو واقعٌ عشته بكل حواسي؛ إعدامٌ نفسي بالإهانة والترهيب، وإعدام للهوية بحرماني من اسمي، وبيولوجي بالتجويع والحرمان من أبسط الحقوق، وحوّلوا الإهمال الطبي إلى 'قتلٍ صامت' يحصد أرواحهم أمام أعيننا.
الأمراض تنهش أجساد الأسرى، خاصة الجرب والفطريات، ولا تتوفر أدوات للنظافة الشخصية، وأصحاب الأمراض المزمنة تتفاقم معاناتهم، فحبة 'الأكامول' أمنيةٌ لا تتحقق، شاهدت عدداً من الأسرى خرجت الديدان من أجسادهم، مرضت عدة مرات وعمري يناهز 58 عاماً ولم أتلق علاجاً، والرد الجاهز دوماً للمريض 'اشرب ماء.. خليك قوي... لن تموت'!!.
لن ترحل عن مخيلتي صورة أسيرٍ ذاب جسده من قسوة السجن ومات بجوارنا دون رعاية طبية، وآخر قتله جنود إسرائيليون ضرباً لمجرد صرخة ألم طلب فيها دخول الحمام، رأيتُهم يرتقون واحداً تلو الآخر!!.
شهدتُ خياطة الجروح لأحد رفاقي بـ 8 غُرزٍ دون تخدير، وليالي الصقيع التي أوقفت نبض زملائي وهم شبه عراة، هذه ليست حوادث عابرة، بل هو 'قتل ممنهج' وبغطاء قانوني، بينما يصافح الأسرى الموت كل صباح ومساء وسط صمت العالم.
كنت أظن أن طبيعة مهنة الصحافة ستشكل نوعاً من الحصانة، لكن في جولات التحقيق مع ضباط الشاباك والاستخبارات العسكرية، كانت هي التهمة بل الجريمة وقالوها بوضوح ' أقلامكم، كاميراتكم، أصواتكم أخطر علينا من البنادق'، وهددونا بقتلنا وقتل عائلاتنا حتى ليلة الافراج عنا!!.
الأسرى معزولون عن العالم، لا يسمح لهم بمعرفة أي معلومة، لم أعرف شيئا عن مصير عائلتي إلا بعد 14 شهراً، بعد سماحهم بزيارتي في سجن 'عوفر' من قِبل محامية لدقائق معدودة، حيث يُمنع المحامون من إبلاغ الأسرى بأي أخبار أو تطورات في الخارج.
مُنعنا من أداء شعائرنا الدينية، فلم تعقد صلاة الجماعة أبداً في 'سيديه تيمان'، كنا نصلي خلسة، وقد عوقبت مرةً بتهمة الصلاة، أما في سجن 'النقب' فيُحظر القرآن الكريم عن الأسرى، ولا نعرف المواقيت بدقة، وفي 'عوفر والنقب' صلاة الجمعة مخاطرة كبيرة غالباً ما تنتهي بالقمع ورش غاز الفلفل أو اعتداءات وتنكيل بالأسرى، ولا يمر 3 أيام دون حملة قمع وضرب من فرقة إسرائيلية خاصة (متسادا وكيتر وغيرهما)، مستخدمين الهراوات والكلاب المتوحشة والرصاص المعدني المغلف بالمطاط وقنابل الصوت والغاز وتفتيش الغرف ومصادرة مقتنيات الأسرى.
استخدموا ضدنا سلاح التجويع بقذارة وساومونا على الاعتراف بأعمال لم نقم بها حتى يعطوا الأسير لُقيمات حتى لا يموت، كثيراً ما أكلنا الخبز المتعفن، طعام قليل جدا، دون أي قيمة غذائية حتى فقدت من وزني أكثر من 30 كجم.
اكتشفت أن ما كتبته على مدار 37 عاماً من العمل الصحفي عن الأسرى، لا يمثل قطرة في بحر عميق، فالسجون اليوم هي مراكز تعذيب وإعدام، لا تشبه أبداً ما يعرفه العالم عن السجون، في معاناة لا يحتملها البشر، كنا نتمنى الموت كل لحظة.
بسبب كل ما ذكرت وأكثر، أنا وُلدت من جديد في 13 أكتوبر 2025 عندما خرجت من غوانتنامو إسرائيل، ' وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن'، اللهم فرجاً عاجلاً لأسرانا ومسرانا، والحمد لله رب العالمين.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

























































