اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٨ أذار ٢٠٢٦
مرة اخرى سقط كثيرون في ذات الفخ، فخ قراءة لحظة هدوء بوصفها نهاية مسار طويل، بينما هي في منطق المواجهة المستمرة مع الاحتلال لا تعدو كونها استراحة محارب، يعيد ترتيب ادواته، او لملمة جراحه وشحذ عزائمه، وما نشهده اليوم في الشمال يعيد انتاج الدرس الذي تجاهله كثيرون قبل السابع من اكتوبر، فالمعركة مع الاحتلال ليست خطا مستقيما ولا معادلة ردع ثابتة، بل هي مسار تراكمي يتقدم ويتراجع وفق ايقاع يختلف عن الجيوش التقليدية او توقعات خبراء الامن الذين اعتادوا قياس القوة بمؤشرات جامدة، فالاعتقاد الذي ساد بعد وقف اطلاق النار بان حزب الله دخل دائرة الردع الدائم يعكس خللا بنيويا في فهم طبيعة حركات المقاومة، فما يعتقد انها مرحلة الردع هي دورة في صراع اطول، حيث يتم توظيف فترات الهدوء لإعادة بناء القدرات وتطوير التكتيكات وامتصاص الصدمات، وهو منطق يمكن تتبعه تاريخيا من تجارب حركات المقاومة التي حولت فترات الهدوء النسبي الى منصات لإعادة الانتشار، فبعد العام 2006 بدا ان المعادلة استقرت، بينما كانت في العمق تتشكل بنية عسكرية اكثر تعقيدا وقدرة على المناورة.
استمر الاحتلال بالوقوع في نمط متكرر من سوء التقدير، قائم على فرضية ان التفوق التكنولوجي والقدرة النارية كفيلان بفرض واقع دائم، فرضية اهتزت مرارا في غزة ولبنان وصولا لصدمة اكتوبر، فكشفت الوقائع ان بنية المقاومة لا تقاس بما يظهر على السطح، بل بقدرتها على إعادة انتاج ذاتها، وهو ما يعيدنا الى اشكاليات عميقة في عقيدة امنية تقرأ الخصم بمرآة ذاتية، لا من خلال سياقه الخاص، وهو ما لم يقتصر على الاحتلال، فالخطاب العربي ايضا وقع في الفخ، فتعامل مع الهدوء كدليل تراجع، متجاهلا ان حركات المقاومة نشأت في بيئات حرب مفتوحة، وتطورت عبر عقود من الاشتباك المستمر، ما جعلها اكثر استعدادا واطول نفسا، فلا تبني استراتيجياتها على ضغوط لحظية، بل على تراكم بطيء للقدرة، وهو ما يفسر قدرتها على قلب معادلات بدت انها 'راسخة'.
التاريخ القريب يقدم امثلة اوضح، فخلال الانتفاضة الثانية بدا ان الاحتلال نجح في تفكيك البنية التنظيمية لفصائل المقاومة، لكنها سرعان ما عادت بأشكال اكثر مرونة وفتكا، وفي العراق ايضا، وبعد ان اعتقدت الولايات المتحدة انها حسمت المعركة عسكريا، فجأة تحول العراق الى ساحة استنزاف اعادت تعريف حدود القوة الامريكية، وفي افغانستان استمر هذا الوهم لعقدين قبل ان ينتهي بانسحاب مذل، وامثلة أخرى، وهو ما اعاد طرح السؤال حول حدود التفوق العسكري في مواجهة حركات تمتلك عمقا اجتماعيا وعقائديا، وفي ضوء ذلك لا يمكن قراءة ما يجري اليوم كاستثناء، بل كتجسيد لمنطق التاريخ، حيث تعمل قوى المقاومة على كسر فرضية 'الاستقرار' القسري التي يسعى الاحتلال الى تكريسها، عبر تكتيكات اعادت فتح الجبهات واربكت الحسابات، اسلوب يقوم على استنزاف الخصم تدريجيا بدل مواجهته في معركة فاصلة قد لا تخدمها موازين القوة المادية.
الابعاد الاقليمية لا تقل اهمية، فالمشهد يعني اعادة خلط الاوراق في منطقة كانت تتجه - نظريا - نحو ترتيبات، ووضعت دولا راهنت على مظلة الحماية الخارجية امام اختبار صعب في ظل مؤشرات متزايدة على تراجع القدرة الامريكية على فرض ارادتها منفردة، ما يفتح المجال امام قوى اقليمية ودولية لفرض وقائع جديدة.
خلاصة القول ان المنطقة تتجه نحو مرحلة مواجهة منخفضة الوتيرة وطويلة الامد، مع بقاء احتمالات الانفجار الكبير قائمة في حال حدوث خطأ في الحسابات، وستسعى المقاومة لترسيخ معادلات ردع مرنة قائمة على القدرة على المفاجأة وتعدد الجبهات، بينما سيحاول الاحتلال اعادة بناء منظومته الردعية عبر مزيج من القوة العسكرية والضغط السياسي.
في المقابل تظل الحاجة قائمة لتطوير مقاربات فلسطينية وعربية واسلامية اكثر نضجا، لا تكتفي بمتابعة الاحداث، بل تسعى لفهم ديناميات المعركة، وتسمح ببناء استراتيجيات تستثمر عناصر القوة المتاحة، شعبيا او سياسيا او اعلاميا، فالمعركة لم تعد عسكرية فقط، بل رواية وادراك وشرعية، ومن يمتلك القدرة على صياغة سرديته وادارتها بذكاء، فهو يمتلك جزء هاما من مفاتيح القوة.
ما يتكشف اليوم ليس مفاجئا بقدر ما هو تذكير قاس بان هذا الصراع لم يدخل طور الاستقرار، بل ان كل ما بدا ثابتا كان في الواقع رخوا، والرهان على ان حركات المقاومة قد استنفدت اغراضها رهان تكرر سقوطه، ومرة بعد اخرى، امام واقع يقول ببساطة ويذكرنا ان هذه الحركات بكل ما راكمته من خبرة وتنظيم وارادة، لم تصل الى اخر ما لديها بعد، ولن تصل.

























































