اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٩ أب ٢٠٢٦
كنا صغارًا. كانت قلوبنا صغيرة، ورئاتنا صغيرة، وأجسادنا كلها أصغر مما هي عليه اليوم. ومع ذلك، لم نكن نعرف التعب. كنا نركض طويلًا، ونلعب ساعات، ونصعد وننزل ونعود إلى البيت في آخر النهار ونحن بالكاد نشعر بأقدامنا. ثم ننام، وفي الصباح ننهض وكأن شيئًا لم يحدث. اليوم كبرنا. كبرت أجسادنا، وكبرت معها قلوبنا ورئاتنا وعضلاتنا، لكن الغريب أننا أصبحنا نتعب من أشياء لم نكن نعدّها شيئًا في طفولتنا. مشوار قصير، يوم عمل عادي، صعود عدة درجات... أشياء صغيرة، لكنها صارت تأخذ منا شيئًا.
فماذا حدث لنا؟
لا أظن أن المسألة كلها مسألة جسد. هناك شيء آخر تغير، شيء لا نراه ولا نستطيع أن نضعه على ميزان. كنا ونحن صغار نعيش ما نحن فيه فقط. إذا لعبنا، لم نكن نفكر في شيء آخر. وإذا فرحنا، لم نسأل ماذا سيحدث بعد الفرح. وإذا تعبنا، نمنا. كانت الحياة بالنسبة إلينا أقرب وأبسط.ثم كبرنا...
فجأة أصبح الإنسان يعيش اليوم، لكنه يحمل معه أمسَه، ويفكر في غده، ويقلق مما لم يحدث بعد. يجلس إلى أهله وعقله في مكان آخر. يأكل وهو يفكر في عمله. ينام وجسده على السرير، لكن رأسه لا يزال يدور. ربما لهذا نتعب. ليس لأن أجسادنا أصبحت أضعف فقط، وإنما لأننا لم نعد نحمل أجسادنا وحدها. نحمل معها أشياء كثيرة لا يراها أحد.
نحمل مسؤولياتنا، وخيباتنا، وما نريد أن نحققه، وما نخشى أن نخسره. نحمل كلمات قيلت لنا ولم ننسها، وأشياء حدثت وانتهت لكنها بقيت في داخلنا. وحتى الأشياء الجميلة أحيانًا نحملها بطريقة متعبة، لأننا نخشى أن نفقدها. الطفل لا يفعل ذلك. الطفل إذا ركض، ركض بجسده كله. أما نحن فقد نكون جالسين، لكن داخلنا يركض منذ الصباح.
ولعل أكثر ما فقدناه هو هذه البساطة. لا أقصد أن نعود أطفالًا؛ فالإنسان لا يستطيع أن يعود إلى الوراء. ولا أظن أن النضج شيء ينبغي أن نندم عليه. لقد أعطتنا السنوات أشياء كثيرة: علّمتنا، وعرّفتنا بأنفسنا وبالناس، وجعلتنا نفهم أشياء لم نكن نفهمها ونحن صغار. لكنها أخذت منا شيئًا في المقابل. أخذت منا القدرة على أن نكون في اللحظة. صرنا نفكر كثيرًا قبل أن نفرح، وبعد أن نفرح، وأحيانًا بدل أن نفرح.
ولذلك، ربما لا يكون السؤال: لماذا نتعب الآن أكثر مما كنا نتعب ونحن صغار؟ ربما السؤال الأصدق هو: ماذا نحمل الآن، ولم نكن نحمله يوم كنا صغارًا؟ فقد تكون أجسادنا هي التي كبرت، لكن الذي أثقلنا حقًا هو كل ما وضعناه فوقها.

























































