اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الثاني ٢٠٢٥
تتصاعد المخاطر في مخيمات شمال الضفة الغربية مع ما يعتبره الاحتلال الإسرائيلي مرحلة جديدة من عملياته العسكرية، التي تبدو كحملة منظمة لإعادة رسم الخريطة الديموغرافية لهذه المخيمات، وتغيير ملامحها، وتفريغها من سكانها وتحويلها إلى فضاءات خاضعة للسيطرة الأمنية الدائمة.
ويشير مراقبون إلى أن هذه الإجراءات ليست معزولة، بل جزء من المرحلة الثانية من العمليات العسكرية الإسرائيلية، التي تهدف إلى تعميم نموذج مخيمات نور شمس وجنين وطولكرم على باقي المخيمات، ضمن رؤية لإعادة هندسة الضفة الغربية ديموغرافيًا وجغرافيًا، مستهدفة ما يشكله المخيم من ذاكرة فلسطينية وعمود فقري للقضية الوطنية.
وفي وقت أعلن جيش الاحتلال إطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق في شمال الضفة الغربية، حذرت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا من استمرار الدمار الواسع في شمالي الضفة، مؤكدة أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة منذ يناير/كانون الثاني الماضي أفرغت بالكامل مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وتسببت في تهجير قسري لأكثر من 32 ألف فلسطيني.
خطة ممنهجة
يقول رئيس اللجنة الشعبية في مخيم نور شمس بطولكرم، نهاد الشاويش، إن الاحتلال تنفيذ خطة ممنهجة لتدمير المخيم وفرض وقائع جديدة على الأرض، تبدأ بهدم المنازل ثم شق شوارع عريضة تتحول لاحقًا إلى مسارات أمنية دائمة تخدم جيشه فقط، محذرًا من أن هذا النموذج قد يمتد إلى مخيمات الضفة كافة، خصوصًا مخيمات الشمال.
وأوضح الشاويش لصحيفة 'فلسطين'، إن الاحتلال بدأ منذ اقتحامه الأول بتنفيذ خطة واضحة تقوم على تدمير أكثر من 400 منزل في المخيم 'من أجل شق شوارع يصل عرضها بين 15 و20 مترًا على أنقاض البيوت المهدمة'، مشيرًا إلى أن الاحتلال يكرس سياسة الأمر الواقع عبر شركات إسرائيلية دخلت المخيم وتقوم بتعبيد الشوارع التي شُقت، في جريمة منظمة تستهدف وجود المخيم نفسه.
وشدد على أن الخطر الأكبر يكمن في أن يصبح نموذج نور شمس قاعدة للتعميم على المخيمات الأخرى، 'فالاحتلال يحاول قتل المخيمات، خصوصًا مخيمات الشمال، لإنهاء القضية الفلسطينية وإنهاء وجود المخيم الذي يُعد العنوان الأوضح لحق العودة وتقرير المصير'.
وأشار إلى أن ما يجري يُنفذ من دون أي تنسيق أو الرجوع للسلطة الفلسطينية أو الجهات الرسمية أو لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين 'أونروا'، 'وهي الجهة الأولى والأخيرة المسؤولة عن حياة الناس داخل المخيم'.
وعن مصير العائلات التي هُدمت منازلها، يقول الشاويش: 'من هُدم بيته خرج إلى مصير مجهول. كان للإنسان بيت من ثلاث أو خمس طوابق، واليوم هو بلا مأوى وبلا مستقبل.. الاحتلال يتعمد تشريد الناس ودفعهم للتأقلم خارج المخيم'.
وأكد أن أهالي المخيم أعلنوا موقفهم بوضوح: 'أنه في حال انسحاب الاحتلال سنضع خيمة على مكان كل بيت هدمه الاحتلال. لا أحد قدم لنا شيئًا ولا هناك خطة مستقبلية. الوضع صعب جدًا في مخيم نور شمس'.
وأضاف أن الاحتلال، وبعد عشرة أشهر من الاقتحامات المتواصلة، يغيّر ديموغرافية المخيم بالكامل: 'البيت الذي لم يُهدم أُحرق، والذي لم يُحرق كسّر واعتُدي عليه، إذ يريد الاحتلال جعل المخيم بيئة طاردة، والحياة فيها مستحيلة'.
هدف أمني إسرائيلي
ويؤكد الشاويش أن كل ما يجري يحمل بعدًا أمنيًا بحتًا: 'الاحتلال لا يسعى لتحسين حياة الناس أو خدمة المخيم، بل يسعى لتوفير الأمن لجنوده فقط. هذا مشروع أمني إسرائيلي بامتياز، مشددًا على أن الاحتلال ينظر للمخيم على أنه بؤرة نضالية، ومركز للمجموعات التي يتهمها بأنها خلايا عسكرية، لذلك يبحث عن خطة أمنية مستقبلية داخل المخيم'.
وأوضح أن الاحتلال يسعى في الحقيقة إلى هدم البيوت لإفراغ المخيم من سكانه، وتحويله إلى 'ضاحية من ضواحي طولكرم'، وإنهاء وجود وكالة 'أونروا' داخله، وبالتالي 'إنهاء قضية اللاجئين عبر تحويلها إلى توطين داخل الضفة'.
وأشار إلى أن تعبيد الشوارع خطوة لتهيئة المخيم لتحركات جيش الاحتلال: 'مخيم نور شمس مخيم جبلي، وفي الشتاء كان من الصعب التنقل فيه حتى عندما كانت الطرق معبدة. فكيف اليوم وهو مدمّر ومليء بالركام؟'، مشددًا على أن الاحتلال يمهد لشبكة طرق عسكرية سهلة الاستخدام 'من أجل عمليات أمنية جديدة، وهدفها النهائي ترحيل أهالي المخيم'.
وخلص الشاويش إلى أن 'ما يجري في نور شمس جريمة مكتملة الأركان… ومحاولة لاقتلاع المخيم من جذوره، تمهيدًا لقتل فكرة المخيم نفسها، وبالتالي قتل حق العودة'.
مواجهة شاملة
من جانبه، رأى المختص في الشأن الإسرائيلي، نزار نزال، أن العملية العسكرية التي ينفذها الاحتلال في شمال الضفة الغربية تندرج ضمن المرحلة الثانية من العمليات العسكرية الواسعة، مشيرًا إلى أن ما يجري هو تعظيم وتوسع للعملية التي بدأت في محافظة جنين في التاسع عشر من يناير الماضي.
وأوضح نزال لـ'فلسطين'، أن وتيرة التصعيد تبدو متجهة نحو مزيد من الاتساع، معتبرًا أن (إسرائيل) تسعى لنقل الوضع 'من مرحلة التصعيد إلى مرحلة المواجهة الشاملة داخل الضفة الغربية'، نظرًا لأنها تعتبر الضفة 'العنق الأمني والاستراتيجي' لها.
وأضاف أن التجمعات السكانية الممتدة على طول الخط الأخضر بين الضفة الغربية وقطاع غزة تبدو مهددة من وجهة نظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لافتًا إلى أن (إسرائيل) تتجه نحو إسقاط نموذج مخيم جنين ومخيم نور شمس ومخيم طولكرم على باقي المخيمات في الضفة.
وأشار إلى أن مخيم الفارعة قد يكون المرشح التالي للتدمير، بعد أن دمرت (إسرائيل) ثلاثة مخيمات بالفعل، معتبرًا أن هناك 'مخططًا واضحًا لتدمير المخيمات'، وهي التي تُعد 'الذاكرة الفلسطينية والعمود الفقري للقضية الفلسطينية'.
وأردف قائلًا: 'في الضفة الغربية 19 مخيمًا، و(إسرائيل) لديها مخطط لتدمير كل هذه المخيمات وإخراج السكان منها نحو الريف الفلسطيني والمدن داخل الضفة، وبذلك تعتقد أنها قتلت الذاكرة الفلسطينية ومحَت اللجوء والنزوح وقضية عمرها 78 عامًا'.
ويعتقد نزال أننا أمام مرحلة جديدة ترتبط بـ'ترتيب ديموغرافي وجغرافي' يعيد تشكيل الضفة الغربية عبر هندسة ديموغرافية وهندسة جغرافية شاملة تعمل (إسرائيل) على فرضها بالقوة.
وكان جيش الاحتلال اعترف بتنفيذ أكثر من 200 عملية دهم واعتقال وتفتيش واحتجاز شمالي الضفة الغربية، التي تتعرض لعملية عسكرية واسعة منذ 3 أيام، وسط اتهامات له بإعدام شبان فلسطينيين ميدانيا.
وتأتي هذه التطورات ضمن تصعيد إسرائيلي مستمر في الضفة الغربية منذ أكثر من عامين، تخللته عمليات اقتحام واعتقال واغتيال، بالتزامن مع حرب الإبادة الجماعية التي بدأت في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، واستمرت عامين.

























































