اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
سبحان الله العظيم، الذي خص كل مخلوق بصفات تتناسب مع طبيعة حياته. فجعل من الحيوانات مفترسات، لا تدرك قسوة ما تفعله بضحاياها، ولا تتجاوز في سلوكها حدود الفطرة التي جبلها الله عليها. وما كان لخلق الله أن يكون عبثا، وحاشاه سبحانه أن يخلق شيئا دون حكمة. ولعل غياب العقل عن هذه المخلوقات هو ما يجعلها تمارس الافتراس دون إدراك لبشاعة فعلها، فهي تسعى إلى الحصول على غذائها وفق طبيعتها، وهذا، من منظورها، أمر تفرضه غريزتها.
لكن الله سبحانه وتعالى كرم بني آدم، ومنحهم العقل والحس، وجعلهم قادرين على إدراك الألم والحزن والفرح، والتأثر بما يرون ويسمعون. ومع هذا التكريم العظيم، يثير الاستغراب أن يتخلى بعض البشر عن إنسانيتهم، فيمارسوا الافتراس بأبشع صوره، وكأنهم استعاروا من الحيوانات شراستها، وأضافوا إليها من مكر العقل ما يجعل أذاهم أشد وأعمق.
حين تسلب رزق غيرك بالخديعة، وتتركه يصارع الفقر والجوع، فأنت تمارس الافتراس.
وحين تحرض المحيطين بإنسان على أخيهم، سعيا إلى الهيمنة والسيطرة، فأنت تمارس الافتراس.
وحين تهدم كيان إنسان، وتدفعه إلى زاوية الألم والقهر، حتى يجد نفسه حائرا بين الصبر على ما يتعرض له من ظلم، أو الانزلاق إلى طريق الانتقام والجريمة، فأنت تمارس الافتراس.
وحين تتدخل لتفكيك الأسر وتشتيت شملها، تحقيقا لأوهام وأطماع لا يهدأ أصحابها إلا برؤية الخراب في حياة الآخرين، فأنت تمارس الافتراس أيضا.
ولو أردنا الإحاطة بكل صور هذا الافتراس البشري، لاحتجنا إلى مجلدات، فالأمثلة أكثر من أن تحصى، والوجع الذي تخلفه في النفوس أكبر من أن تختصره الكلمات.
إن المفترس الحيواني يتحرك بدافع الغريزة، أما المفترس البشري فيعرف ما يفعل، ويدرك حجم الأذى الذي يلحقه بغيره، ثم يمضي في طريقه، متجاهلا ما يتركه خلفه من خراب ووجع وانكسار. وتلك هي المفارقة الأكثر إيلاما، أن يمتلك الإنسان العقل، ثم يستخدمه في الإيذاء، وأن يعرف معنى الرحمة، ثم يتعمد انتزاعها من قلبه.
لذلك، إذا كنت تمارس الافتراس في أفعالك، فلا تتزين بمساحيق الوهم، ولا تختبئ خلف الكلمات المنمقة والمظاهر الخادعة، فكل ذلك عاجز عن إخفاء حقيقة ما تفعل. فالإنسان لا تقاس قيمته بما يقوله عن نفسه، بل بما يتركه في حياة الآخرين من أثر.
ومن اعتاد هدم الآخرين، مهما أتقن التظاهر بالفضيلة، لن يستطيع طويلا إخفاء حقيقته. فبشاعة الافتراس لا تزول بتجميل المظهر، ولا تتحول القسوة إلى إنسانية لمجرد أن صاحبها أحسن اختيار كلماته.
فلا تكن مفترسا يرتدي ثوب الإنسان، ثم يظن أن ثوبه سيخفي أنيابه.

























































