اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ١ أب ٢٠٢٥
في غزة لا تصل المساعدات إلى الجياع، بل تُختطف في الطريق إليهم. خلف دخان القصف وهدير الطائرات، تدير دولة الاحتلال مسرحا خادعا، تُسدل فيه ستائر 'الرحمة' على مشهد جريمة متقنة. تفتح المعابر لشاحنات المساعدات، وتستعرض أمام عدسات العالم مشاهد الإغاثة، لكنها في العمق تمنح السلطة على تلك المساعدات ليد خفية: لصوصٌ نبتوا فجأة من رماد الحرب والجوع، وأصبحوا حراس المجاعة لا منقذيها.
بسياسة محكمة، لا تترك دولة الاحتلال للفقراء إلا الخضوع لهؤلاء 'اللصوص' إن أرادوا لقمة غذاء، مانحة إياهم الحماية، ومتغافلة عن سطوتهم، ليصبح السطو على المساعدات وصفة إسرائيلية جديدة لتدمير ما تبقى من المجتمع الغزي. مجتمع يُدفع عمدا نحو التفكك، بينما تبدو (إسرائيل) ـ زورًا ـ أنها تمد له يد النجاة.
'لم نذق الخبز منذ ثلاثة أيام'
في مخيم إيواء للاجئين في حي الرمال غرب مدينة غزة، جلست 'أم فادي'، تحضن أبناءها الأربعة الذين تحلّقوا حولها جوعى، تشعل نارا هزيلة تحت وعاء لا يحتوي سوى القليل من الماء وبعض العدس.
بعيون ذابلة من التعب قالت لـ 'فلسطين أون لاين': 'لم نذق الخبز منذ ثلاثة أيام. لا دقيق، لا طحين، لا شيء. حتى الأطفال تعبوا من أكل الأعشاب وسؤالهم الدائم: متى سنأكل خبزا يا ماما؟'.
كانت تنتظر وصول المساعدات إلى مخازن المنظمات الإغاثية الدولية، لكن كغيرها من عشرات العائلات، لم تحصل على شيء.
تقول: 'كل يوم يقولون إن الدقيق دخل، وإن هناك توزيعا.. لكن الأسعار خيالية، كيلو الدقيق بـ٤٠ شيكلا! من يملك هذا المال؟! كل ما نملكه ذهب في شراء الطعام. أُجبرنا أن نعيش على أمل وهمي.. ثم اكتشفنا أن من يملك القوة هو من يحصل على المساعدات'.
تحكي 'أم فادي' عن مشهدٍ عايشته قبل يومين حين ذهبت مع نجلها إلى منطقة السودانية علها تحصل على قوت أطفالها: 'رأيتهم بأم عيني.. لصوص مدججون بالعصي والأسلحة، مزقوا أكياس الدقيق عنوة، وتقاتلوا في وضح النهار على من يأخذ الكمية الأكبر. كان الدم والدقيق مختلطين على الأرض. المشهد لا يُنسى'.
وتضيف: 'لقد مزّقوا الكيس كي يحصلوا عليه، لا يهمهم أن يُهدر الطحين. المشهد كان وحشيا.. لا رحمة، لا نظام، لا عدالة. والجوعى، مثلنا، وقفوا يتفرجون.. بلا حول ولا قوة'.
تتنهد أم فادي قبل أن تضيف بكلمات مشحونة بالغضب واليأس: 'هذا ليس صدفة. (إسرائيل) تريد هذا المشهد. تريد أن تدمّرنا من الداخل.. أن نتقاتل على رغيف خبز. أن يتحكم اللصوص فينا. هي تُدخل المساعدات، لكنها تمنح السيطرة عليها لمن يرسّخ الجوع، لا لمن يُشبع الناس. هذه خطة لتدميرنا'.
'طُعنت في ساقي.. وخبزي سُرق أمام عيني'
في حيّ مدمّر جنوب مدينة غزة، وقف 'أبو طلال عايش'، يحمل عصا خشبية يتكئ عليها بعد إصابته، وينظر بحسرة إلى أطفاله الذين جلسوا إلى جوار خيمة مهترئة. يروي تفاصيل رحلته اليومية، التي باتت مزيجا من الخوف والجوع والخذلان.
يقول لـ 'فلسطين أون لاين': 'كل يوم أستيقظ مع أذان الفجر، أترك أطفالي نياما، وأركض نحو أماكن توزيع المساعدات.. أحيانا أنتظر تحت الشمس 12 ساعة. لكن في النهاية.. أعود صفر اليدين'.
يقول 'أبو طلال' إن مجرد الاقتراب من شاحنات المساعدات بات مخاطرة، في ظل سطوة مجموعات منظمة من اللصوص الذين يسيطرون عليها بالقوة، ويمنعون المحتاجين الحقيقيين من الوصول إليها 'هؤلاء اللصوص لا يتركون لنا فرصة، يقفون حول الشاحنات، يتقاسمون الحِمل قبل أن يُوزع، ويطردون الفقراء مثلي. مرات كثيرة تُفرغ الشاحنات، ولا يصلنا شيء. ثم نفاجأ أن الطعام يُباع بعد ساعات بأسعار نار'.
يحكي 'أبو طلال' عن الحادثة التي لن ينساها، عندما استطاع لأول مرة منذ أيام أن ينتزع كيس دقيق من إحدى الشاحنات، وسط الزحام والفوضى، لكن فرحته لم تدم 'حين أمسكت كيس الدقيق شعرت أنني نجوت بأطفالي ليومين.. ركضت به كأنني أحمل كنزا. لكن قبل أن أبتعد، ظهر رجل ضخم، صرخ بي: أترك الكيس. رفضت. فجأة شعرت بشيء حاد يدخل ساقي.. سكين! طعنني وسحب الكيس وهرب'.
سقط 'أبو طلال' أرضًا، والدماء تسيل من ساقه، بينما وقف الناس يتفرجون، بعضهم حاول مساعدته، وآخرون خافوا من مصير مشابه.
ويتابع: 'أنا أب.. أبحث عن لقمة لأطفالي، لكنني طُعنت. أُهنت. وسُرق طعام أطفالي أمام عيني. كيف لنا أن نعيش بهذا الذل؟!'.
يقول إن هذا المشهد لم يكن مجرد اعتداء فردي، بل يعكس واقعا أوسع: 'الطعام لم يعد يصلنا. نحن نشتري طعامنا المسروق من اللصوص. كيس الدقيق الذي يدخل مساعدات.. يُباع بأكثر من ١٠٠٠ شيكل! من أين لي هذا؟! دولة الاحتلال تعلم بكل هذا.. لكنها تغض الطرف. هي تريد أن تقتلنا جوعا، أو تجعلنا نموت على أيدي اللصوص الذين صنعتهم الحرب'.
'تحطيم النسيج الاجتماعي'
يقول الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل لـ 'فلسطين أون لاين' إن قضية السطو على المساعدات في قطاع غزة ليست ظاهرة عفوية أو نتيجة فقط لانهيار المنظومة الأمنية والاجتماعية بسبب الحرب، بل هي جزء من مخطط إسرائيلي أوسع يهدف إلى تحطيم المجتمع الفلسطيني من الداخل.
وأضاف 'ما يجري في غزة اليوم هو صورة دقيقة لحالة الانفلات التي تريد دولة الاحتلال أن تدفع المجتمع الفلسطيني إليها، ليس فقط من أجل ترسيخ الجوع والفقر، بل من أجل تفكيك المجتمع ذاته، وتدمير روابطه وقيمه وأعرافه التي طالما شكّلت حصنا في وجه الاحتلال'.
وتابع عوكل أن (إسرائيل) تدير هذا المشهد بدقة، وتوظف أدوات متعددة لخلق بيئة فوضى مقصودة: 'إسرائيل تتحكم في كميات المساعدات، توقيت دخولها، وأماكن توزيعها. ثم تلاحق من يحمي هذه المساعدات، وهي تعلم تماما أن هذا يفتح الباب لصراع داخلي، ولسقوط الناس في مستنقع التقاتل على لقمة العيش. هذا جزء من إدارة الحصار بشكل جديد... حصار فوضوي، يُسلم الضحية للمجهول'.
وحول الأهداف السياسية لهذا المشهد، يوضح عوكل: 'إسرائيل لا تريد فقط تجويع الغزيين، بل تسعى إلى شيطنة المجتمع الفلسطيني أمام الرأي العام العالمي. عندما تُعرض مشاهد السطو والعنف على شاشات العالم، سيتشكل انطباع أن غزة باتت ساحة فوضى، لا تحكمها قيم ولا قانون. وهذا يخدم (إسرائيل) التي تروّج لفكرة: لا شريك فلسطيني، ولا مجتمع يستحق الحياة'.
ويضيف: 'من منظور سياسي، فإن مشهد الفوضى يسهم أيضا في إضعاف أي سلطة محلية. عندما تتحكم العصابات في الغذاء، تضعف الثقة في المؤسسات، وتُلغى أي مرجعية قانونية. وهذا يسهّل لإسرائيل مستقبلاً فرض حلول أمنية أو سياسية قسرية تحت ذريعة: (الفلسطينيون لا يحكمون أنفسهم.. دعونا نفعل ذلك بطريقتنا)'.
ويؤكد عوكل أن هذه الفوضى ليست انزلاقا عشوائيا بل هي 'حرب ناعمة وقذرة' بأدوات بديلة 'في الحروب التقليدية هناك دبابات وطائرات. اليوم هناك أدوات أخطر: التجويع، إضعاف الأخلاق، نشر الفوضى، وتحويل الناس إلى وحوش مضطرين للقتال من أجل البقاء. كل هذا يؤدي إلى تآكل فكرة المجتمع'.