اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦
ليس اليوم الأول في الجامعة مجرد موعد لبدء المحاضرات، بل هو بداية مرحلة جديدة من الوعي والمسؤولية وبناء الذات، ويوم تتجدد فيه الآمال، وتلتقي طموحات الطلبة برسالة الأساتذة وجهود الإدارات الجامعية. وفي هذا اليوم تتشكل الانطباعات الأولى، وتُرسم ملامح العلاقة بين الطالب وجامعته، وتبدأ رحلة ينبغي أن تقوم على الانضباط والاحترام والشغف بالمعرفة والإيمان بأن التميز ثمرة العمل الجاد والمثابرة.
يدخل الطالب جامعته حاملًا أحلامه وتطلعات أسرته، وربما شيئًا من القلق أمام تجربة جديدة لم يألفها. وهنا تبدأ مسؤوليته الحقيقية في إدراك أن الجامعة تمنحه فرصًا واسعة للتعلم والتجريب والإبداع، لكنها تنتظر منه المبادرة والالتزام وحسن استثمار الوقت. فالطالب المتميز لا ينتظر أن يُطلب منه التعلم، بل يبحث عن المعرفة، ويسأل ويناقش ويجرب، ويحترم مواعيده ومحاضراته، ويجعل من كل يوم فرصة لإضافة مهارة أو تطوير فكرة أو اكتشاف قدرة جديدة في ذاته.
وفي المقابل، يقف الأستاذ الجامعي أمام مسؤولية تتجاوز تقديم المادة العلمية إلى بناء الإنسان وإيقاظ فضوله المعرفي وتعزيز ثقته بقدراته. فالمحاضرة الأولى ليست مناسبة لقراءة مفردات المساق وتوزيع العلامات فحسب، بل فرصة لتأسيس علاقة تعليمية قائمة على الاحترام المتبادل والحوار والتفكير النقدي. والأستاذ الذي يستقبل طلبته بابتسامة صادقة، ويستمع إلى أسئلتهم، ويوضح لهم أهداف التعلم وتوقعاته، يزرع منذ اللحظة الأولى شعورًا بالأمان الأكاديمي والانتماء، ويشجعهم على المشاركة دون خوف من الخطأ أو التردد.
ومن المهم أن يدرك الأستاذ أن الطلبة يختلفون في قدراتهم وخبراتهم وأساليب تعلمهم، وأن العدالة التعليمية تقتضي تنويع أساليب التدريس، وإتاحة فرص الملاحظة والتجريب والمناقشة والعمل الجماعي. فالجامعة التي نطمح إليها لا تكتفي بتلقين المعرفة، بل تدرب طلبتها على توظيفها في معالجة المشكلات وإنتاج الحلول وتحويل الأفكار إلى تطبيقات نافعة للمجتمع.
أما الإدارة الجامعية، فتبدأ مسؤوليتها قبل وصول أول طالب إلى قاعته الدراسية. إذ ينبغي أن تكون الجداول واضحة، والقاعات والمختبرات جاهزة، والخدمات ميسرة، والإرشادات متاحة، وأن يجد الطالب من يستقبله ويوجهه ويجيب عن استفساراته باحترام واهتمام. فحسن التنظيم في اليوم الأول يعكس ثقافة المؤسسة، ويعزز ثقة الطلبة بها، ويؤكد أن وقتهم وكرامتهم واحتياجاتهم تحظى بالأولوية.
ولا تكتمل هذه الصورة دون العاملين في الجامعة، من الإداريين والفنيين وفرق الخدمات والأمن، الذين يسهمون بجهودهم اليومية في توفير بيئة آمنة ومنظمة ومحفزة. فكل كلمة طيبة، وكل مساعدة صادقة، وكل مشكلة تُحل بروح المسؤولية، تترك أثرًا إيجابيًا في تجربة الطالب وتعمق شعوره بأنه جزء من أسرة جامعية متكاملة.
إن الانضباط الذي ننشده لا ينبغي أن يقوم على الخوف من العقوبة، بل على الاقتناع بأن احترام الوقت والأنظمة والآخرين قيمة أخلاقية ومهنية. كما أن الإبداع لا ينمو في بيئة يسودها التردد أو الخوف من السؤال، وإنما في أجواء تمنح الطالب الثقة وتشجعه على المحاولة، وتعلمه أن الخطأ المدروس جزء من التعلم، وأن النجاح يحتاج إلى الصبر والعمل والمراجعة المستمرة.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات العلمية والتكنولوجية، تصبح مسؤوليتنا مضاعفة في إعداد جيل يمتلك المعرفة والمهارة والقيم، قادر على التفكير المستقل والعمل بروح الفريق والتكيف مع متطلبات المستقبل. ولهذا يجب أن يشعر الطالب منذ يومه الأول بأن ما يتعلمه يرتبط بحياته ومستقبل مهنته وخدمة وطنه، وأن الجامعة تؤمن بقدراته وتنتظر منه أن يكون شريكًا فاعلًا في مسيرتها.
فلنجعل من اليوم الأول عهدًا مشتركًا: أن يأتي الطالب بشغف التعلم، والأستاذ بإخلاص الرسالة، والإدارة بروح الخدمة والمسؤولية، وأن يجتمع الجميع على احترام الإنسان والوقت والعمل. ولنستقبل عامنا الجامعي بقلوب مطمئنة ونفوس طيبة وعزائم قوية، مؤمنين بأن كل طالب يستحق فرصة عادلة للنجاح، وكل موهبة تستحق الرعاية، وكل جهد صادق يستحق التقدير.
فالأوطان لا تتقدم بالأمنيات، وإنما بعقول تتعلم، وأيدٍ تعمل، وضمائر تؤمن بأن العلم مسؤولية، وأن الإتقان قيمة، وأن خدمة الوطن تبدأ من أداء الواجب بإخلاص.
وليكن شعارنا منذ اليوم الأول: نحضر لنتعلم، ونتعلم لنبدع، ونبدع لنخدم وطنًا يستحق منا الأفضل.

























































