اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٩ أذار ٢٠٢٦
يتصاعد النقاش في الأوساط الفلسطينية والعربية بشأن ما تُعرف بـ'خطة ملادينوف' لنزع سلاح المقاومة في غزة، باعتبارها واحدة من أخطر الطروحات السياسية والأمنية التي ظهرت في سياق حرب الإبادة. وتُطرح الخطة بصيغة 'تبادلية'، لكنها تواجه رفضًا واسعًا في الشارع الفلسطيني، وكذلك في أوساط النخب السياسية والعسكرية، التي ترى فيها محاولة لإعادة صياغة الواقع الفلسطيني تحت ضغوط دولية وإقليمية.
وتقوم الخطة على مبدأ 'الخطوة مقابل الخطوة'، إذ يُربط أي انسحاب للاحتلال الإسرائيلي أو تقديم تسهيلات إنسانية بخطوات مقابلة من المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها نزع السلاح تدريجيًا. غير أن هذا الطرح، على الرغم من مظهره المتوازن نظريًا، يثير شكوكًا عميقة لدى الخبراء، بسبب غياب التكافؤ الحقيقي بين الطرفين، سواء من حيث موازين القوة أو الالتزام السياسي.
الخطة كامتداد للحرب
يرى الخبير العسكري اللبناني، د. محمد هزيمة، أن خطة ملادينوف لا يمكن قراءتها كمسار سياسي منفصل، بل يجب فهمها ضمن سياق الحرب المستمرة على غزة، إذ تمثل محاولة لتحقيق أهداف عجز الاحتلال الإسرائيلي عن فرضها عسكريًا على الأرض.
طالع المزيد: ملادينوف يطرح خطة لنزع سلاح المقاومة في غزة.. ما أبرز بنودها؟
ويؤكد هزيمة، لصحيفة 'فلسطين'، أن الخطة ليست سوى جولة جديدة من المعركة، ولكن بأدوات سياسية وأمنية، تستهدف تفكيك عناصر القوة لدى الفلسطينيين، وعلى رأسها سلاح المقاومة، عبر ضغط مركّب يجمع بين البعدين الإنساني والسياسي.
الخبير العسكري اللبناني د. محمد هزيمة
ويشدد على أن أي نقاش حول الخطة يصطدم مباشرة بجدار انعدام الثقة، مستندًا إلى سجل طويل من عدم التزام الاحتلال الإسرائيلي بالاتفاقيات السابقة، ما يجعل من الصعب التعويل على أي ضمانات مستقبلية.
ويتقاطع هذا الطرح مع رؤية الخبير المصري هاني الجمل، مدير مركز 'تفكير' للشؤون السياسية في القاهرة، الذي يرى أن المشكلة لا تكمن في صياغة الخطة بقدر ما تكمن في غياب آليات تنفيذ حقيقية قادرة على إلزام إسرائيل بتعهداتها، وهو ما يضعف فرص نجاحها.
نقطة التحول الأخطر
يُبرز الجمل أن المرحلة الأولى من الخطة قد تمر نسبيًا بسلاسة، لكونها تركز على وقف العمليات العسكرية وإدخال المساعدات، لكن التحدي الحقيقي يبدأ مع المرحلة الثانية، التي تتضمن الشروع الفعلي في نزع السلاح من غزة.
وتُمثل هذه المرحلة، وفق تقديره، 'الاختبار الحقيقي'، حيث تتقاطع فيها الملفات الأمنية والسياسية بشكل معقد، ويصبح تنفيذ أي بند فيها مرهونًا بمدى التزام الطرفين، وهو أمر يحيط به كثير من الشكوك.
ويطرح الجمل سؤالًا محوريًا: من يضمن التزام إسرائيل؟ وهو ما يعكس جوهر الأزمة في الخطة، إذ إن غياب جهة دولية قادرة على فرض الالتزامات يجعل أي اتفاق لوقف إطلاق النار هشًا بطبيعته.
الخبير المصري هاني الجمل مدير مركز 'تفكير' للشؤون السياسية في القاهرة
في المقابل، يذهب هزيمة أبعد من ذلك، معتبرًا أن الحديث عن 'وسيط نزيه' هو وهم سياسي، في ظل انحياز واضح للولايات المتحدة والدول الغربية إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن هذه القوى جزء من الصراع وليست خارجه.
البعد الإنساني كأداة ضغط
تُعد مسألة ربط إعادة الإعمار بنزع السلاح من أكثر النقاط إثارة للجدل في الخطة، إذ يراها هزيمة أداة ابتزاز سياسي تُستخدم فيها احتياجات سكان غزة للضغط على المقاومة الفلسطينية.
من جانبه، يحذر الجمل من تداعيات هذا الربط، معتبرًا أنه قد يقود إلى حالة من 'التجويع الممنهج'، حيث تتحول المساعدات الإنسانية من حق أساسي إلى ورقة تفاوض، ما يفاقم الأزمة الإنسانية بدلًا من حلها.
ويشكل ملف السلاح جوهر الخلاف في الخطة؛ إذ يرى هزيمة أن تسليمه في الظروف الحالية يعني فقدان عنصر الردع الوحيد، ويفتح الباب أمام اجتياح إسرائيلي جديد قد يكون أكثر عنفًا.
في المقابل، يحذر الجمل من زاوية أخرى، مشيرًا إلى أن نزع السلاح دون وجود بديل أمني منظم قد يؤدي إلى فراغ أمني خطير، يهدد بانفلات الوضع الداخلي وارتفاع معدلات الفوضى.
ويُبدي الجمل تخوفه من أن يؤدي تفكيك البنية العسكرية للفصائل في غزة دون بناء منظومة أمنية على أسس وطنية إلى ظهور جماعات مسلحة موازية، قد يكون بعضها مدعومًا من أطراف خارجية.
ويرى أن هذا السيناريو، في حال تحققه، قد يفتح الباب أمام صدامات داخلية فلسطينية، ويعيد إنتاج حالة من الفوضى الأمنية التي يصعب السيطرة عليها، ما يهدد الاستقرار المجتمعي في قطاع غزة.
غموض في البنية والمرجعية
ويثير هزيمة تساؤلات جوهرية حول 'اللجنة الوطنية لإدارة غزة'، من حيث تركيبتها ومرجعيتها واستقلاليتها، معتبرًا أن غياب الوضوح بشأنها يضعف الثقة بها لدى العديد من الأطراف الفاعلة في غزة والمنطقة.
أما الجمل، فيتعامل مع الفكرة بقدر من البراغماتية، مشيرًا إلى أن لجنة تكنوقراط قد تكون خيارًا مقبولًا، لكن نجاحها مرهون بتوفر دعم سياسي وأمني حقيقي، وهو أمر غير مضمون في ظل المعطيات الراهنة.
كما تُعد فكرة نشر قوات دولية في القطاع أحد عناصر الخطة المثيرة للجدل؛ إذ يرى هزيمة أن هذه القوات ستعمل ضمن منظومة منحازة للاحتلال الإسرائيلي، ولن تكون قادرة على حماية المدنيين في غزة.
طالع المزيد: خطة نزع سلاح غزة... مسار سياسي مشروط أم ابتزاز تحت غطاء إنساني؟
ويضيف الجمل أن غياب تعريف واضح لدور هذه القوات، سواء كان رقابيًا أم تنفيذيًا، يزيد من الضبابية، وقد يحولها إلى عنصر إرباك بدلًا من أن تكون عامل استقرار.
غزة في قلب إعادة تشكيل المنطقة
يربط هزيمة خطة ملادينوف بمشروع إقليمي أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط، معتبرًا أن غزة ليست سوى جزء من هذا المشهد الأكبر.
ويتفق الجمل مع هذا الطرح، مشيرًا إلى أن التوافق الأمريكي-الإسرائيلي، خاصة في ملفات مثل إيران، ينعكس بشكل مباشر على التعامل مع غزة، ويؤثر في فرص نجاح أي مبادرة سياسية.
وفي ضوء المعطيات الحالية، تبدو فرص نجاح الخطة محدودة، فيما يبقى السيناريو الأقرب هو تعثرها عند المراحل الحساسة، خاصة تلك المتعلقة بنزع السلاح. وقد يقود هذا التعثر إما إلى انهيار كامل للخطة، أو إلى استخدامها ذريعة لتصعيد عسكري جديد يعيد المنطقة إلى مربع المواجهة.
طالع المزيد: عشائر غزَّة: ملادينوف أخفق في مهامِّه وسلاح المقاومة لا يمكن تسليمه
ويرى هزيمة أن الضمان الحقيقي يكمن في صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بعناصر قوته، فيما يؤكد الجمل أن أي حل مستدام يتطلب إرادة دولية حقيقية، وهو ما لا يبدو متوفرًا في المرحلة الراهنة

























































