اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ١٨ أذار ٢٠٢٦
منذ اللحظة التي أطلقت فيها الطائرات الأمريكية صواريخها على ايران معلنة عن أهداف وضامرة أهدافا اخرى ، كان العالم يراقب وكأنه يشاهد فيلماً يعرف نهايته، لكن الأيام الأخيرة كشفت أن أحداً لم يكن يتوقع هذه النهاية. فالحرب الخاطفة التي سعت اليها واشنطن وتل ابيب امتدّت لتدخل أسبوعها الثالث ، وايران بدت اكثر قوة مما توهمه الحلف الصهيوامريكي ، فقد ادارت ايران المعركة بذكاء غاب عن الاعداء ففي الوقت التي لم تستطع حماية تل ابيب والقواعد الأمريكية في الخليج القبة الحديدية” و”مقلاع داوود” وغيرها من منظومات الدفاع الجوي من صواعق صواريخ إيران ومحور المقاومة وجدت امريكا نفسها امام مازق لم تضعه في الحسبان وهو مضيق هرمز ، مفتاح النصر الايراني ، وسر هزيمة الحلف الصهيوامريكي مما وجد ترامب نفسه في ورطة حقيقية لايجيد الخروج منها امام تحدي ايران الذي فرض معادلة جديدة في ضرب الشريان الاقتصادي لحلفاء امريكا ، مما اجبر ترامب إلى دعوة حلفاءه: فرنسا وبريطانيا واليابان، طالباً سفناً حربية تشاركه ما ظنه استعراضاً سريعاً للقوة، فإذا به يفاجأ برفض لم يتوقعه. قالوا له ببساطة: لن نغزو إيران، ولن نشاركك حربك، وعليك التوقف فوراً. كان الرفض صادماً لواشنطن التي تعودت على أن الحلفاء يلبون النداء، لكن شيئاً في هذه المرة كان مختلفاً.
ثم جاءت المفاجأة الأكبر، تلك التي ستعيد تشكيل الخريطة الذهنية للصراع في المنطقة لعقود قادمة. الصين، التي طُلب منها أيضاً المشاركة، لم ترفض فقط، بل أرسلت رسالة قاسية إلى البيت الأبيض: إذا جئنا بسفن حربية إلى مضيق هرمز، فستكون مهمتنا الدفاع عن إيران، وتنظيم مرور حلفائنا، ومنع خصومك من التحرك. نحن ننسق مع روسيا لتوسيع دورنا على الأرض، ولن نتركك تدمر اقتصادنا. وقد جاء الوقت الذي نتدخل فيه لحماية مصالحنا.
لم تكن كلمات عابرة، فسرعان ما تحولت التهديدات إلى أفعال على الأرض. تقارير غربية أكدت أن أكبر أسطول بحري صيني وروسي في طريقه إلى الخليج، ليس لمحاربة أمريكا، بل لمساندة طهران ومدها بما تحتاجه، ولتنظيم حركة سفن الحلفاء والتجار الرافضين للهيمنة الأمريكية. وكأن العالم دخل فجأة مرحلة جديدة: من يقف مع أمريكا لا حق له في المرور الآمن، ومن يرفضها ويندد بأعمالها سيكون في مأمن تحت حماية أسطول جديد لم تعهده المنطقة من قبل.
لكن الأكثر إيلاماً لواشنطن لم يكن فقط هذا التحالف الجديد، بل ما حدث لأهدافها المعلنة وغير المعلنة. ذهبت أمريكا وإسرائيل إلى هذه الحرب لتحقيق أهداف كبيرة: ضرب البرنامج النووي الإيراني، إضعاف محور المقاومة، إعادة الردع الأمريكي في المنطقة، وتأمين إمدادات النفط العالمية. والآن، وبعد أسابيع من القتال، ماذا تحقق؟ لا شيء. البرنامج النووي لا يزال قائماً، والمحور أصبح أكثر تماسكاً بدعم صيني روسي، والردع الأمريكي تحول إلى صورة من العزلة الدولية، والمضيق مغلق فعلياً والنفط يقترب من 114 دولاراً والاقتصاد العالمي يئن.
في المقابل، إيران التي بدت وكأنها الطرف الأضعف عسكرياً، استطاعت أن تحول أضعف نقطة في جسدها إلى أقوى سلاح تملكه. هي تعلم أن اقتصادها يعتمد على هذا المضيق، وأعداؤها راهنوا على أن إغلاقه سيضرها أكثر مما يضرهم، لكنهم نسوا شيئاً واحداً: عندما يشعر طرف بأنه يحارب من أجل البقاء، تتغير كل الحسابات. إيران أغلقت المضيق، وها هي الآن تفرض معادلة جديدة على العالم: لا أمن للنفط العالمي دون أمنها وموافقتها.
وإذا توقف القتال الآن، كما تتجه الأنظار، فإن التاريخ سيسجل أن إيران انتصرت في هذه الحرب. ليس لأنها دمرت أسطولاً أمريكياً أو احتلت أرضاً، بل لأنها أجبرت أعتى قوة في العالم على القبول بمعادلة جديدة. سترفع العقوبات عنها في أي تفاوض قادم، وستحصل على ضمانات لتصدير نفطها، وسيتذكر العالم أنها الدولة الوحيدة التي استطاعت إغلاق مضيق هرمز في وجه أمريكا وحلفائها والخروج منتصرة.
أما أمريكا، فهي الآن في مأزق لا تحسد عليه. كل الخيارات أمامها مؤلمة: إذا هاجمت لفتح المضيق، فستغرق في حرب واسعة الخسائر البشرية والمادية، في مستنقع جديد لا ضمان للنجاح فيه. وإذا بقيت تراقب الوضع، فستعترف ضمنياً بعجزها عن حماية المصالح العالمية، وستتراجع هيبتها كقوة عظمى. وإذا تفاوضت، فستدفع ثمناً باهظاً من التنازلات مقابل ما كان بالأساس حقاً مكفولاً للملاحة الدولية قبل أن تبدأ الحرب.
في كل هذا المشهد، يقف مضيق هرمز شاهداً على تحول تاريخي. إن ما يحدث اليوم ليس مجرد حلقة جديدة في صراعات المنطقة، بل هو إعلان ميلاد نظام عالمي مختلف. الصين التي تستورد ثلث نفطها عبر هذا المضيق، وجدت نفسها مضطرة للتحرك، ليس إلى جانب أمريكا كما اعتاد العالم، بل إلى جانب روسيا وإيران، في محور جديد يعيد تشكيل التحالفات.
وربما يكون هذا الانتصار الاستراتيجي الأكبر لإيران منذ قيام ثورتها، لأنه جاء ليس عبر مناورات دفاعية، بل عبر فرض إرادتها على أقوى بحرية في العالم، في أكثر نقطة حساسة على خريطة الطاقة العالمية.
يبقى السؤال الوحيد الذي يحير الجميع: هل يتطور التوتر إلى مواجهة عسكرية واسعة؟ يبدو أن الجميع، حتى أكثر المتفائلين، يميلون إلى استبعاد هذا السيناريو. فوجود الأسطول الصيني الروسي يعمل كصمام أمان، يمنع انفجار الموقف، ويمنح إيران غطاءً يقلل من حاجتها للجوء إلى خيارات يائسة. والعزلة الأمريكية تمنعها من المغامرة وحدها في حرب واسعة تتطلب تحالفاً دولياً.
والأهم من كل ذلك، أن الاقتصاد العالمي الذي يتألم بالفعل من ارتفاع أسعار النفط، لا يمكنه تحمل صدمة حرب جديدة. ربما يكون السيناريو الأقرب هو استمرار حالة الجمود المسلح، حيث تبقى إيران قادرة على تعطيل الملاحة دون إغلاق كامل، وتبقى أمريكا عاجزة عن تغيير الواقع، ويبقى العالم يعيش في حالة من اللااستقرار الدائم الذي ينزف الاقتصاد ويعيد تشكيل التحالفات، بينما يتحول مضيق هرمز إلى مرآة تعكس وجهاً جديداً للنظام الدولي لم نألفه من قبل.

























































