اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٧ أذار ٢٠٢٦
ما أجمل الصمت في الأزمنة الحالكة، وما أسمى الصلاة القلبية في حضرة الضجيج. فالصمت، كما علّمنا القديس إسحاق السرياني، هو لغة الدهر الآتي، أما الكلام فليس إلا لسان هذا العالم.الصمت طريق من طرق الملكوت، وخلوةٌ نلجأ إليها في رحاب الكتاب المقدّس، فنرتوي من ينابيعه في كل حين. فما من معزٍّ للنفس أصدق منه. دعوه يتكلم إليكم، أصغوا إلى همس حروفه، وتأملوا عمق معانيه، فتجدوا صداه في حكم القديسين الذين ارتقوا، بعشرة الصمت وضبط اللسان، إلى الصمت الداخلي والتأمل العميق. هناك عبروا الطريق الأسمى نحو الاتحاد بالله، وفهموا أسرار الملكوت، متجاوزين حدود الكلمات الأرضية وضجيج الثرثرة، حتى صارت خلوتهم مع الكتاب صلاةً دائمة، وحالة وجودٍ تتنفس الأبدية.
ما أشدّ حاجتنا، وسط صخب هذا العالم، إلى الهدوء والسكينة؛ إلى ذلك الصمت الذي يقودنا إلى نقاوة القلب، وإلى التوبة، الطريق الذي يهيّئ الإنسان لمعاينة الله. إن التحدّي الحقيقي ليس في الكلام عن الصمت، بل في عيشه والتدرّب عليه، وفي اشتهاء ذلك الهدوء الداخلي الذي يقودنا إلى الاتحاد بالله والشركة في نوره الإلهي غير المخلوق.هذه هي خبرة وتعليم القديس غريغوريوس بالاماس، الذي ثبّت في اللاهوت الأرثوذكسي التمييز بين جوهر الله غير المُدرَك وطاقاته الإلهية التي يختبرها القديسون بالنعمة. لذلك تُكرّم الكنيسة الأرثوذكسية ذكراه في الأحد الثاني من الصوم الكبير، باعتباره معلّم الهدوئية ونموذجها، إذ أكّد أن التوبة ونقاوة القلب هما الطريق الحقيقي لمعاينة الله.فلا فصح حقيقي من دون نقاوة القلب، ولا قيامة صادقة من دون الصلاة والصوم والصدقة. ولا حياة روحية حقيقية من دون الاتضاع والمحبة والجهاد الروحي والفرح الداخلي، ومن دون حمل أثقال الآخرين بمحبة. هذه فضائل تُعاش بهدوء، وتُمارَس بصمت، فنقتدي بذلك بالقيرواني الذي حمل الصليب مع المسيح.
في المفهوم البشري، الكلام أداة للتواصل بين الناس، لكنه يبقى محدودًا، وكثيرًا ما يندم الإنسان على ما قاله. أما الصمت، في المفهوم الروحي، فهو سترٌ وحكمة؛ سرٌّ خفيّ، أو ما يمكن تسميته بلغة الله. هو فسحة يتأمل فيها الإنسان محبة الله ويدرك الحقائق الروحية بعمق يتجاوز الكلمات.الصمت لغة العظماء، وتعبير عميق عن مشاعر ومواقف تعجز الكلمات عن احتوائها. فلنتدرّب عليه، ولننتقل من الثرثرة الدنيوية بكل ألوانها إلى صمتٍ مملوء بالمعنى والروحانية، إلى درب الهدوئية التي تعيد للنفس صفاءها.فالحياة لا تخلو من الاضطرابات والتجارب، لكن الهدوء الداخلي يمنح الإنسان القدرة على التعامل معها دون أن يفقد توازنه. الصمت وتقليل الكلام مدرسةٌ للنفس، والهدوء علامة حكمة، وسبيل إلى الراحة العميقة.وسط صخب العالم وضجيجه، يبقى الهدوء مطلبًا للروح كي تطمئن، وفيه تتنقّى النفس من ثقل الضوضاء. وعندئذ فقط، في سكون القلب وصفائه، يبدأ الإنسان بمعاينة النور غير المخلوق.











































































