اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٣ أذار ٢٠٢٦
تتقاطع الخطوط في أعمال الفنان مارك برادفور Mark Bradford جميعها في نقطة تلاشي حادّة في العمق. لكن هذا الوضوح الهندسي لا يمنح المتلقي الطمأنينة المعتادة التي يمنحها المنظور الكلاسيكي، بل على العكس، يضعنا في ممرّ بصري يضيق ويتكاثف ويبدو كأنه يتنفس ببطء، كأننا داخل رئة معمارية أو داخل طبقة جيولوجية تنطبق على ذاتها. فهل البنية الفنية عند مارك صارمة؟ أم تكاد تكون مدرسية في وضوحها مثل خطوط أفقية وعامودية متوازية،؟ أم هي شبكة تمتد نحو نقطة مركزية في انضباط منظور يذكّر بفضاءات عصر النهضة؟
ينسف مارك هذا النظام من الداخل عبر السطح. فكل خط مستقيم يكاد يكون مخرمشاً أو خشناً، وكل مساحة بيضاء ملوّثة بآثار لونية، وكل امتداد هندسي مهدّد بالانسياب. فهو يضعنا أمام صراع دقيق بين العقل والمادة بمعنى العقل يرسم المنظور، والمادة تقاومه.
سطوح لوحاته أشبه بجلدٌ بصري كثيف، مشقّق، متموّج، كأن الطلاء لم يُوضع بل جُرّ وسُحب ثم كُشط، تاركاً آثار حركة يد واضحة وعنيفة في آن. هذه التقنية تمنح العمل طاقة حركية كامنة. فالخطوط العامودية المتكررة لا تعمل فقط كبناء منظور، بل كآثار جسدية لحركة متواصلة. إذ نرى زمن العمل نفسه وقد تجمّد في أخاديد لونية. فاللون في هذه اللوحة تحديداَ يتسلل كأثر. الأبيض والرمادي يهيمنان، لكنهما ليسا حياديين؛ إنهما كثيفان، مثقلان بظل خفيف، وبين هذه الطبقات تنبثق ومضات لونية صغيرة كالأزرق، والأخضر، والأحمر، هذه الألوان لا تُشكّل بؤراً مركزية، بل تظهر كذاكرة مدفونة، كأن الجدار كان يحمل في زمن سابق زخارف أو حيوات أخرى ثم طُمست، وبقيت آثارها تتسرّب عبر الشقوق. هكذا يتحوّل اللون إلى زمن مكشوف، لا إلى زخرفة.
تتبع العين الخطوط نحو العمق، ثم تتعثر في تموّج مادي، فتعود إلى ذاتها، إلى القشرة. هذا التردد بين العمق والسطحية هو جوهر التجربة البصرية عند مارك. اللوحة لا تسمح للمتلقّي بالاستقرار إذ لا نستطيع أن نغرق في الفراغ ولا أن نكتفي بملمس السطح. وكأن المتلقّي عالق في حالة عبور دائمة. كما يتجلّى الميتامورفوز في هذه اللوحة بطريقة مادية لا رمزية. فالبناء المعماري لا يتحوّل إلى شيء آخر، بل يتحوّل إلى ذاته عبر التآكل. الجدار يصبح أثراً لجدار، والسطح يصبح خريطة لتحوّلاته الخاصة. فهل يريد مارك القول إن كل بنية تحمل في داخلها بذرة تفككها، وأن الشكل الفني ليس حالة نهائية بل مرحلة في مسار تآكلي طويل؟ وهل الزمن ليس موضوعاً، بل هو مادة العمل؟
يتضح البُعد العضوي رغم أن التكوين هندسي بحت، إلّا أن التموجات العامودية تمنح الجدران إحساساً لحميّاً. السقف يبدو كنسيج ممدود، والأرضية كطبقة رسوبية، والجداران كجلد تعرّض للخدش والضغط. المعمار يتحوّل إلى جسد، والجسد إلى أثر. هذا التداخل بين الهندسي والعضوي يخلق توتراً جميلاً بمعنى آخر النظام الصارم يقف فوق مادة لا تخضع بالكامل له. فالتكرار عنصر أساسي في الإيقاع البصري. الخطوط الأفقية والطولية تتكرر بكثافة، مولدة اهتزازاً خفيفاً. ليس اهتزازاً بصرياً رياضياً كما في فنون الـ Op Art، بل اهتزاز ناتج عن عدم انتظام السطح. كل خط يشبه الآخر، لكنه ليس مطابقاً له. هذه الفروقات الدقيقة تمنح العمل حيوية داخلية. كأننا أمام موجات متتالية، أو أمام نبضات بصرية تتردد في الفراغ. فهل يمكن للممرّ المنظوري أن يكون دهليزاً في ذاكرة، أو نفقاً في وعي، أو غرفة داخل الذات؟ وهل النقطة المركزية في العمق ليست مجرد حلّ منظور، بل نقطة جذب نفسية. نحن مدفوعون إليها، لكننا لا نصل؟ أم أن المسافة تبدو قابلة للعبور، لكنها تبقى معلّقة وكأن هذا الإحساس بالاقتراب دون بلوغ يعمّق التجربة التأملية؟ وهل كل فضاء نعيش فيه يحمل داخله طبقات من التحوّل؟ أم أن كل جدار هو سجلّ غير مرئي لمرور الزمن؟











































































