اخبار لبنان
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٢ نيسان ٢٠٢٦
ما يحدث اليوم ليس مجرد ضعف في مؤسسة، بل نتيجة مسار تاريخي طويل، جيش لم يُبنَ ليضبط السيادة، ثم انكسر عندما انهارت الدولة، ثم أُعيد بناؤه ضمن تسوية لم تمنحه السيادة الكاملة، ثم وُضع في مواجهة واقع تتعايش فيه الدولة مع سلاح خارجها. لبنان ولحسن الحظ لم يرد له أن يكون دولة عسكرية، لكنه لم ينجح في أن يكون دولة تحتكر العنف.
دبابات الجيش اللبناني تنسحب من بلدة رميش الحدودية وسط مناشدة الأهالي.
لم يكن المشهد عسكرياً بقدر ما كان إنسانياً حدّ الألم. رجال ونساء من البلدة وقفوا في وجه العربات، لا ليمنعوا حركة عسكرية، بل ليؤجلوا لحظة شعرت فيها القرية أنها تُترك لمصيرها. الوجوه مشدودة بين الخوف والرجاء، وكأنهم يتمسكون بآخر ما تبقّى من فكرة الدولة.
في قلب هذا المشهد، وقف كاهن البلدة، الأب نجيب العميل، لا ليخاطب الجيش بقدر ما يخاطب لحظة الانكسار نفسها قائلاً، 'منتكل على الله، والأرض مليانة خضار، وعنا تراب مناكل ومنبقى بضيعنا. يا منموت كلنا وبتروح ضيعتنا، يا منعيش كلنا وبتحيا ضيعنا كلنا'.
لم تكن كلماته مجرد تعبير عن صمود، بل إعلاناً عن مفارقة تمسّك أهل البلدة بأرضهم حتى الرمق الأخير، في لحظة تنسحب فيها 'الدولة' التي يُفترض أن تحميهم.
لم يكن انسحاب الجيش اللبناني من رميش مجرد خطوة ميدانية في سياق حرب إسرائيلية شرسة مفتوحة على لبنان، بل لحظة كثيفة الدلالة، تختصر مساراً طويلاً من تآكل فكرة الدولة نفسها في لبنان. في تلك القرية الحدودية، لم يشعر الأهالي فقط بأن الجيش تراجع، بل بأن الدولة بما تمثّله من حماية وسيادة، لم تعد قادرة على الوقوف حيث يجب أن تكون. هذا الشعور لا يمكن تفسيره فقط بميزان القوى المختلّ مع إسرائيل، بل بتاريخ معقّد، تم فيه تفريغ دور الجيش تدريجياً، حتى أصبح حاضراً كشكل وصورة، لكنه نادراً ما يكون صاحب قرار.
لفهم هذه اللحظة التراجيدية، لا يكفي النظر إلى السنوات الأخيرة أو إلى الحرب الحالية، بل يجب العودة إلى سؤال أعمق: كيف تكوّن الجيش اللبناني، وما الدور الذي أُريد له منذ البداية؟
منذ نشأة الدولة اللبنانية، لم يشبه الجيش اللبناني جيوش المنطقة. لم يكن، كما في مصر أو سوريا أو العراق، العمود الفقري للنظام السياسي، ولا الأداة التي تحكم باسمه. في تلك الدول، نشأت الدولة الحديثة حول المؤسسة العسكرية من خلال انقلابات دموية غالباً، ومن ثم تحولت إلى مركز السلطة، واحتكرت العنف، وأنتجت أنظمة استبدادية قوية قادرة على فرض سيطرتها بالقوة. هذا النموذج على رغم كل ما فيه من قمع كان واضحاً، الجيش هو الدولة، والدولة هي الجيش.
لبنان، على العكس، بُني على توازنات طائفية وتسويات سياسية دقيقة، لا على هيمنة مؤسسة واحدة. في هذا السياق، لم يُرَد للجيش أن يكون حاكماً، بل أن يكون انعكاساً لهذا التوازن. كان جيشاً 'مدنياً' بالمعنى السياسي، متعدد الانتماءات وفق توزعه الطائفي، حذراً في استخدام القوة، ومقيّداً بسقف سياسي يمنعه من الانخراط في صراعات داخلية قد تفجّر البلاد. هذه السمة جعلته أقل قمعاً من جيوش المنطقة، لكنها في الوقت نفسه جعلته أقل قدرة على فرض نفسه كسلطة عليا تحتكر العنف.
هذا التوازن الهشّ لم يصمد أمام الحرب الأهلية. مع اندلاع الصراع عام 1975، بدأ الجيش يتفكك تدريجياً، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً أيضاً. من أبرز المحطات المبكرة كان انشقاق ما عُرف باسم 'جيش لبنان العربي' عام 1976، حين خرجت وحدات من الجيش بقيادة أحمد الخطيب عن القيادة المركزية، في مؤشر واضح إلى أن المؤسسة لم تعد قادرة على البقاء فوق الانقسامات.
في تلك المرحلة، كان الجيش يُتهم، خصوصاً في بيروت الغربية، بأنه يميل إلى السلطة القائمة، التي اعتُبرت منحازة الى المعسكر اليميني المسيحي، في مواجهة 'الحركة الوطنية' المتحالفة مع منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك. انطلاقاً من هذا السياق، برّر الخطيب انشقاقه برفضه استخدام الجيش ضد ما كان يعتبره 'قوى وطنية وعروبية'، وسعى إلى إعادة تعريف دوره ضمن مشروع سياسي أوسع مرتبط بالحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط، وعلى تماس مباشر مع الفصائل الفلسطينية.
لم يكن 'جيش لبنان العربي' مجرد تسمية، بل إعلان تموضع أيديولوجي واضح في قلب الحرب، ودليل على أن الجيش لم يعد قادراً على البقاء فوق الانقسامات، بل أصبح ساحة لها. هذا الانشقاق شكّل إنذاراً أول لمسار سيتكرّس لاحقاً، أي تفكك تدريجي للمؤسسة العسكرية، وصولاً إلى انهيارها شبه الكامل في الثمانينات.
لكن الانهيار الكامل لم يتبلور إلا مع محطة انتفاضة 6 شباط/ فبراير 1984. في ذلك اليوم، لم يخسر الجيش معركة فقط، بل خسر موقعه كقوة جامعة. في بيروت الغربية، انهارت وحداته بسرعة لافتة، وتفككت على أسس سياسية وطائفية، وانسحب بعضها، فيما انضم بعض عناصره إلى القوى المنتفضة. لم يكن ذلك مجرد فشل عسكري، بل لحظة إعلان انهيار المؤسسة العسكرية. الجيش لم يعد فوق الانقسامات، بل صار محكوماً بها. لعبت آنذاك حركة أمل بقيادة نبيه بري دوراً محورياً في تلك الانتفاضة وفي شق الجيش من خلال ما عُرف حينها بـ'اللواء السادس'. تلك الانتفاضة أسقطت فعلياً سلطة الدولة في غرب العاصمة، وأطاحت اتفاق 17 أيار/ مايو الذي أبرمه حينها الرئيس أمين الجميل مع إسرائيل. منذ تلك اللحظة، ترسّخت قناعة عميقة بأن الجيش اللبناني ليس محصّناً ضد التفكك، ولا يمكنه فرض سلطته على مجتمع منقسم.
لكن الجنوب كان سبق العاصمة في اختبار انهيار الدولة. منذ أواخر السبعينات، ومع تراجع حضور الدولة وتفكك الجيش في تلك المنطقة، نشأ فراغ أمني واسع. في هذا الفراغ، برزت تشكيلات محلية مسلّحة، بعضها بدافع الحماية الذاتية، وبعضها الآخر ارتبط تدريجياً بقوى خارجية. من بين هذه التشكيلات، نشأ ما سيُعرف لاحقاً بـ 'جيش لبنان الجنوبي'.
تعود بدايات هذا التشكيل إلى الضابط سعد حداد، الذي انشق عن الجيش عام 1976 وأعلن 'جيش لبنان الحر'، مستنداً إلى وحدات محلّية ومتطوعين من القرى الحدودية. مع تصاعد الصراع، وخصوصاً مع وجود الفصائل الفلسطينية المسلحة في الجنوب، تلقى هذا التشكيل دعماً متزايداً من إسرائيل، التي كانت تسعى إلى إنشاء منطقة عازلة على حدودها. ومع الاجتياح الإسرائيلي عام 1978، ثم بشكل أوضح بعد اجتياح 1982، أعيد تنظيم هذه القوات تحت اسم 'جيش لبنان الجنوبي'، وتحوّلت إلى قوة منظمة تدير 'الشريط الحدودي' وتعمل ضمن منظومة الاحتلال بل ويده الأقسى على الجنوبيين. بعد وفاة حداد، تولى قيادتها أنطوان لحد، وهو أيضاً ضابط سابق في الجيش اللبناني.
ما تكشفه هذه التجربة ليس مجرد تعاون مع الاحتلال، بل حقيقة أعمق، وهي أنه عندما ينهار الجيش المركزي أو يُقيد، لا تختفي القوة، بل يُعاد إنتاجها في أشكال موازية، مرتبطة غالباً بقوى خارجية. الجنوب اللبناني كان، منذ ذلك الوقت، مختبراً لهذا النمط، فانهيار السيادة لا يؤدي إلى فراغ، بل إلى تعدد سلطات.
لم ينتهِ انقسام الجيش اللبناني مع محطة انتفاضة 6 شباط/ فبراير 1984، بل استمرّ بأشكال مختلفة حتى أواخر الحرب، وبلغ ذروته مجدداً في أواخر الثمانينات خلال مرحلة قيادة ميشال عون. ففي عام 1988، ومع انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل من دون انتخاب خلف له، عُيّن عون رئيساً لحكومة انتقالية عسكرية، في سابقة كرّست دخول الجيش مباشرة في قلب الصراع السياسي. منذ تلك اللحظة، لم يعد الجيش مجرد مؤسسة أمنية، بل أصبح طرفاً في معادلة السلطة.
ومع تصاعد الصراع بين حكومة عون من جهة، وحكومة سليم الحص المدعومة من سوريا من جهة أخرى، انقسمت البلاد إلى سلطتين، وانعكس ذلك داخل المؤسسة العسكرية نفسها. عملياً، باتت هناك وحدات عسكرية تدين بالولاء لقيادة عون في المناطق الشرقية، فيما خضعت مناطق أخرى، خصوصاً في بيروت الغربية، لنفوذ قوى مختلفة خارج إطار قيادة الجيش المركزي.
في آذار/ مارس 1989، أعلن عون ما سمّاه حرب التحرير ضد الوجود السوري في لبنان، مستخدماً الجيش كأداة في هذه المواجهة. هذا القرار وضع المؤسسة العسكرية في موقع شديد الخطورة، إذ أصبحت طرفاً مباشراً في حرب إقليمية داخلية معقّدة. ومع أن الخطاب الذي رافق تلك الحرب ارتكز على استعادة شعار السيادة والتحرير، إلا أن النتيجة كانت مزيداً من الاستنزاف والانقسام والاستتباع الإقليمي.
عندما أُقرّ اتفاق الطائف، رفض عون الاعتراف به في البداية، واستمر في المواجهة، إلى أن شنّت القوات السورية هجوماً واسعاً على قصر بعبدا في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 1990، بدعم إقليمي ودولي لإنهاء الحرب. في تلك اللحظة الحاسمة، انهارت جبهة عون العسكرية بسرعة، ولجأ إلى السفارة الفرنسية قبل أن يغادر إلى المنفى، متخلياً عن جنوده الذين واجهوا مصيراً مأساوياً.
هذه النهاية لم تكن مجرد هزيمة سياسية، بل محطة إضافية في مسار تآكل موقع الجيش.











































































