اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٤ أذار ٢٠٢٦
في الوجدان العربي، تمثل «العشر الأواخر» من رمضان حالة من «الاستنفار الروحي» القصوى، حيث ينفصل الزمان عن قيوده المادية، وتدخل الأمة في «بياتٍ تعبدي» مهيب. هي الليالي التي يطوي فيها الصائمون بساط الدنيا، ليفرشوا سجادة الصلاة في رحاب «المساجد الثلاثة» التي تشد إليها الرحال. هنا، في مكة والمدينة والقدس، تبلغ الروحانية ذروتها، ويتحول الاعتكاف من مجرد عبادة فردية إلى ملحمة جماعية تعكس وحدة الجسد الواحد. في هذه الليالي، يختلط دموع التائبين بعبير البخور في الحرمين، وتتعانق دعوات المظلومين مع قباب الأقصى الصامدة، ليرسم العرب أجمل لوحات «الاتصال بالسماء». تروي لنا هذه الحلقة قصة هذه الليالي المباركة، وكيف تتحول العواصم الروحية إلى مراكز لتدفق القلوب الباحثة عن «ليلة القدر» وعن الخلاص الروحي.
•فلسفة «العشر» في الذاكرة العربية
ارتبطت العشر الأواخر في الوجدان العربي بـ «الجدّ» و»التشمير». يذكر المؤرخون أن العرب كانوا يترقبون هذه الليالي بكثير من الهيبة، مقتدين بالنبي الذي كان «إذا دخلت العشر، أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد مئزره».
يمتزج في هذه الليالي شعوران متناقضان: ألم وداع الشهر الذي قارب على الرحيل، وشغف نيل الجائزة الكبرى. لذا، تتحول بيوت العرب في هذه العشر إلى «مساجد مصغرة»، وتخفت وتيرة الحياة الاجتماعية لصالح «الخلوة» مع الخالق.
•مكة المكرمة.. طواف الأرواح في حضرة «العتيق»
في مكة، تأخذ العشر الأواخر طابعاً لا يمكن وصفه بالكلمات؛ حيث تزدحم أم القرى بملايين البشر الذين جاؤوا من كل فج عميق.
-صلاة التهجد: تبدأ الحشود بالتوافد إلى الصحن والساحات منذ منتصف الليل. يتميز الوجدان المكي في هذه الليالي بصوت «السديس» و«الشريم» والمعيقلي، وهم يرتلون آيات العتق من النار. إن لحظة «دعاء القنوت» في ليلة السابعة والعشرين هي اللحظة التي تتوحد فيها حناجر الملايين في «آمين» واحدة تهز جبال مكة، في مشهد يكرس مكة كقلبٍ نابض للوجدان العالمي.
-الاعتكاف تحت الأستار: يحرص المعتكفون في الحرم المكي على قضاء ليلهم ونهارهم في الطواف والقراءة، حيث تذوب الفوارق الطبقية والقومية تحت رداء «الإحرام» الأبيض، ويصبح الجميع «ضيوف الرحمن» في أرقى صور المساواة البشرية.
•المدينة المنورة.. السكينة في جوار «المصطفى»
في المسجد النبوي، تكتسي العشر الأواخر بحلة من «السكينة» والوقار النبوي.
-روحانية الروضة: يتسابق المعتكفون للظفر بركعة في «الروضة الشريفة»، حيث يعتقد الوجدان العربي أن هذه البقعة هي قطعة من الجنة. يصف الرحالة والمؤرخون ليل المدينة في رمضان بأنه «ليلٌ أبيض»، حيث تظل القناديل مضاءة، وتنتشر «موائد الإفطار والقهوة» التي يقدمها أهل المدينة للمعتكفين والزوار بفيض من الحب الموروث عن الأنصار.
-الأدب والهمس: على عكس صخب مكة الإيماني، تمتاز المدينة بـ «الهمس الدعائي»، حيث يسود الهدوء والوقار في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وتنشط حلقات «ختم القرآن» التي لا تنقطع حتى أذان الفجر.
•المسجد الأقصى.. رباط الصائمين وصمود الحناجر
للعشر الأواخر في القدس نكهة «الرباط» و«الجهاد النفسي»
رغم الحواجز والمصاعب، يزحف عشرات الآلاف من أهل القدس والداخل الفلسطيني والضفة نحو «الأقصى». في الوجدان الفلسطيني، الاعتكاف في الأقصى هو «فعل وجود»، حيث تتحول باحات المسجد وقبابه إلى مسكن للمعتكفين الذين يفترشون الساحات، ويطبخون طعام سحورهم في قدورٍ جماعية، مؤكدين على هوية المكان وقدسيته.
-ليلة «الفتح الروحي»: تعد ليلة السابعة والعشرين في الأقصى أضخم تجمع بشري في فلسطين، حيث تصدح مآذن القدس بدعاء «نصرة المظلومين»، وتختلط أصوات التكبير بمشاعر العزة والصمود، مما يجعل من الاعتكاف في الأقصى تجربة روحية وسياسية فريدة في آن واحد.
•«الاعتكاف» كظاهرة اجتماعية وثقافية
لم يكن الاعتكاف يوماً عزلة سلبية، بل هو «إعادة شحن» للقيم الاجتماعية:
-التكافل في المسجد: يتشارك المعتكفون الطعام والشراب، ويتعرف الغني على حاجة الفقير في خلوة المسجد، مما يولد مبادرات خيرية كبرى تنطلق من رحم هذه الليالي.
-توارث التقاليد: يحرص الآباء على اصطحاب أبنائهم للاعتكاف، لتعليمهم الصبر والتبتل، ونقل «أسرار الليالي» من جيل إلى جيل.
-النظافة والتطيب: يبرز في العشر الأواخر اهتمام خاص بتطييب المساجد بالبخور والعود، وتطوع الشباب لتنظيف بيوت الله، تعظيماً لشعائر الله.
•«البحث عن ليلة القدر»
البحث عن ليلة القدر» يمثل حاجة الإنسان الفطرية لـ «البداية الجديدة». إن فكرة «ليلة خير من ألف شهر» تمنح الصائم العربي أملاً في محو خطايا الماضي واختصار الزمن نحو الكمال الروحي. هذا الترقب يخلق حالة من «اليقظة الوجدانية» تجعل الحواس أكثر نقاءً واستقبالاً للسكينة.
•ليلة السابعة والعشرين.. «ليلة القدر» في الوجدان الشعبي
رغم أن موعدها غيبي، إلا أن الوجدان العربي «تواطأ» تاريخياً على الاحتفاء بليلة السابعة والعشرين بوصفها الأرجح لليلة القدر.
في القاهرة ودمشق وبيروت وبغداد، تُضاء المآذن بالأنوار، وتُقام احتفالات رسمية بختم القرآن. وفي المغرب العربي، تُذبح الذبائح ويُوزع الكسكسي على الفقراء. ينام الأطفال في هذه الليلة وهم ينظرون إلى السماء، لعلهم يرون «نور الليلة» الذي يغير الأقدار، في مزيج جميل بين العقيدة والأسطورة الشعبية.
•ليل العشر.. سكونٌ يسبق العيد
مع انقضاء هذه الليالي، يشعر العربي بنوع من «الخشوع الحزين»؛ فالمساجد التي كانت عامرة ستبدأ بالخلو، والروح التي اعتادت السحر ستحن لهذا الإيقاع. ومع ذلك، يخرج المعتكف من «عشره» وقد تجددت روحه، واستعاد توازنه النفسي، ليكون مستعداً لاستقبال العيد بقلبٍ طاهر ونفسٍ مطمئنة.
إن ليالي العشر الأواخر في الوجدان العربي هي «الخلوة الكبرى» مع الحقيقة. من جلال الكعبة وهيبتها، إلى سكينة الروضة وجمالها، وصولاً إلى شموخ الأقصى وعزته، تظل هذه الليالي هي الخيط الذي يربط الأرض بالسماء. سيظل الاعتكاف هو «الملاذ» الذي يهرب إليه العربي من ضجيج الحياة ليعيد اكتشاف نفسه. وسيظل صوت الأذان في سحر هذه الليالي هو النداء الأجمل الذي يذكرنا بأن «ليلة القدر» ليست مجرد توقيت، بل هي «حالة قلبية» يمكن أن يدركها كل من شد مئزره وأخلص نبيته. ستبقى هذه العشر هي «تاج رمضان»، والواحة التي نرتوي منها لنواجه بقية العام بقلوبٍ عامرة باليقين.











































































