اخبار لبنان
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٤ أذار ٢٠٢٦
شكلت الحرب 'انتحاراً وقتلاً' للقطاع السياحي ومواسم رمضان والأعياد
يستعيد اللبنانيون اليوم ذكريات الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975، حيث عانى اللبنانيون أياماً صعبة ونقصاً في الإمدادات والمواد الأساسية بسبب إغلاق المعابر، إلا أن المختلف اليوم حجم الدمار جراء الحرب بين إسرائيل و'حزب الله'، فضلاً عن تداعيات النزوح.
ومع تجدد الأعمال الحربية في الثاني من مارس (آذار) الجاري، حتى بدأت أسعار السلع الأساسية بالارتفاع، واتجه اللبنانيون إلى تخزين السلع الأساسية خوفاً من استمرار المواجهات فترة طويلة من الزمن، في وقت استغل كثر الفرصة لجني مزيد من الأرباح جراء حركة النزوح الواسعة، وفي وقت شهدت فيه سوق الألبسة إقبالاً ملحوظاً ومتزايداً بفعل حركة النزوح، تضاعفت المبيعات في متاجر الغذاء.
وشكلت الحرب 'انتحاراً وقتلاً' للقطاع السياحي وموسم رمضان والأعياد، بحسب نقيب الفنادق بيار الأشقر، ورأى رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في الشمال توفيق دبوسي أن 'لبنان خسر ما تبقى من فرصة لأن البلاد كانت في الأصل غير حاضنة للاستثمار، وعدم استقطاب رؤوس المال الأجنبية'، متخوفاً من 'نتائج كارثية لا تعد ولا تحصى لهذه الحرب'.
مع بدء موجة النزوح توجهت أعداد كبيرة من المواطنين إلى الفنادق بسبب عدم وجود أماكن مهيأة لاستقبالهم، ووصلت بعض المؤسسات إلى مرحلة الاستيعاب القصوى. ويعيش قطاع الفنادق حالاً من 'الغموض' بين حركة ظاهرة، واستثمار غير مستقر، وتعرض بعض الفنادق في جبل لبنان وبيروت إلى هدف للهجمات الإسرائيلية في مناطق كانت تعد 'آمنة'.
في السياق وصف بيار الأشقر قطاع الفنادق بأنه 'تدمر' على رغم استقبال بعض الفنادق النازحين الذين ينتمون إلى فئة الزبائن الموقتين، في انتظار العثور على شقة سكنية أو مكان للإيواء، و'هناك فئة لا تتجاوز إقامتها ساعات أو اليوم الواحد، ويغادرون، بالتالي هذا استثمار قصير الأجل'، ولفت الأشقر إلى 'موت الموسم، لأن الحجوزات الكثيفة التي كانت من الأردن ومصر ودول خليجية والعراق، ألغيت بالكامل، وخسرناها بسبب الحرب وإغلاق الأجواء، وانحسرت موجة التفاؤل بزحمة في مراكز التزلج'.
في سياق متصل أقدم بعض المؤسسات على الصرف التعسفي لإجرائها من أجل تخفيف الكلف التشغيلية. ولم يستبعد الأشقر هذا الأمر قائلاً 'من غير المستبعد لجوء مؤسسات إلى صرف بعض الإجراء في حال استمرت الحرب فترة طويلة، ولكن اعتادت الفنادق والمؤسسات السياحية على التكيف مع الأزمات، وهي تقسم موظفيها إلى إجراء دائمين وموسميين، إذ تضطر لوقف الموسميين عن العمل بسبب حال الانتحار التي نواجهها في لبنان'.
وانسحب الاضطراب على سوق الحجوزات والسفر بسبب إغلاق المجال الجوي في المنطقة، وقالت رينا، وهي مستشارة في مجال السياحة والسفر 'نضطر إلى إعادة جدولة الرحلات، أو الانتقال إلى الخيار البري من أجل مساعدة المسافرين على مغادرة لبنان، ولكن لا توجد أماكن كافية على متن الرحلات المجدولة عبر مطار بيروت'، ونوهت بـ'ارتفاع كبير في أسعار بطاقات السفر، والفئة الأكثر طلباً هم المغتربون الذين جاءوا إلى لبنان لقضاء فرصة رمضان، والذين وجدوا أنفسهم محتجزين وغير قادرين على السفر بصورة مفاجئة. من هنا، نحن مضطرون إلى إيجاد صيغة تسمح لهم بالمغادرة إلى وجهتهم النهائية من خلال دول وسيطة سواء محطة أو محطتين، وهي عروض كان يرفضها المسافرون في الظروف الطبيعية'.
كذلك يشكل انقطاع مادة الغاز هاجساً لدى اللبنانيين، وشهد سعر قارورة الغاز ارتفاعاً لافتاً تجاوز نسبة 25 في المئة خلال أسبوع واحد من الحرب.
وأقدم بعض محطات توزيع الغاز على إغلاق أبوابه موقتاً، وأكد حسن أكومي صاحب شركة غاز في البداوي شمال لبنان أن 'المادة متوافرة على رغم تراجع الكمية التي يتم تسليمها للشركات والفروع في المناطق'، مضيفاً 'تفاجأنا بمطالبة بعض الموزعين كميات مضاعفة'، محذراً من أن هناك من يسعى إلى 'الاستثمار في الأزمة المفتعلة واستغلالها لأبعد الحدود وبيع الغاز بأسعار مضاعفة وبصورة غير مشروعة، والاستفادة من الحال النفسية للمواطنين'، وقال إن 'هناك من يحاول تخزين كميات تفوق حاجته، وهذا الهلع غير مبرر لأن الشحنات ما زالت تصل إلى الشركات بصورة كافية'.
وشهدت سوق الغذاء ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، وأقدم مواطنون على شراء كميات إضافية من المواد الغذائية خشية ارتفاع أسعارها أو انقطاعها، مما خلق حركة اقتصادية كثيفة داخل متاجر التجزئة.
وتحدث نقيب أصحاب السوبرماركت في لبنان نبيل فهد عن 'امتصاص الصدمة التي خلقها الإقبال المفاجئ على المتاجر'، وقال 'عاد الاستهلاك إلى طبيعته بعدما شهد تهافتاً على التموين خلال الأسبوع الأول من الحرب، والسلع مؤمنة بوفرة وبكميات كبيرة'. ولفت إلى أن 'الخوف من ارتفاع أسعار المازوت بنسبة تفوق 50 في المئة، مما ينعكس على مختلف القطاعات الإنتاجية بسبب كلفتها التراكمية من المصنع إلى الموزع فالبائع والمستهلك'، وأكد 'عدم إقدام أي مصنع لبناني على زيادة أسعار سلعه، وتحديداً الألبان والأجبان المصنعة محلياً'، ناهيك باستمرار حملة 'سوا بالصيام' التي تضم 21 سلعة غذائية أساسية، وتشمل الزيوت والحبوب والمعلبات الأكثر استهلاكاً.
لا يقل الاضطراب في سوق الخضراوات عنه في مختلف القطاعات الإنتاجية، وأقر حسين رفاعي نائب رئيس نقابة سوق الخضراوات بارتفاع في أسعار الخضراوات والحبوب بسبب وقف الاستيراد، و'هناك محاولات للسماح بدخولها من الأردن بموجب إجازات استثنائية لتخفيف الوطأة عن المواطن'، ولفت رفاعي إلى أن 'الإنتاج المحلي اللبناني سيبقى في لبنان بسبب وقف حركة العبور عبر سوريا، ومحدودية الطيران وعدم استقبال الأسواق الأوروبية المنتجات اللبنانية'، محذراً من 'تأثير ارتفاع سعر المازوت على الكلفة الإجمالية للإنتاج، وإن كانت ثمة محاولة لتخفيف الأعباء من خلال الاعتماد على الطاقة الشمسية'.
وثمة مخاوف من انتقال لبنان من مرحلة الأزمة الاقتصادية إلى حقبة اقتصاد الحرب، وقال الأستاذ الجامعي المتخصص في الدراسات الاقتصادية أيمن عمر إن 'اقتصاد الحرب هو نمط اقتصادي يتكيف مع ظروف الصراع العسكري، حيث تعاد فيه أولويات الإنتاج والإنفاق لتخدم استمرار الحرب، وتأمين الموارد الأساسية للدولة والمجتمع'، مشدداً على أن 'لبنان دخل في واقع اقتصادي يقترب من مفهوم اقتصاد الحرب نتيجة المواجهة العسكرية بين (حزب الله) والكيان الإسرائيلي، لكن ما يحدث في لبنان لا يشبه اقتصاد الحرب الكلاسيكي مثلما شهدته دول خاضت حروباً شاملة، مثل ما حدث خلال الحرب العالمية الثانية. ففي تلك الحالات، تقوم الدولة بتحويل جزء كبير من المصانع والإنتاج لتلبية حاجات الجيش، مثل تصنيع الأسلحة والمعدات العسكرية والمواد اللوجيستية، وتوجه اليد العاملة نحو الصناعات المرتبطة بالحرب، وقد يتم تجنيد نسبة كبيرة من السكان في الجيش أو في القطاعات الداعمة له. أما في الحالة اللبنانية فالصورة مختلفة، الدولة اللبنانية لم تدخل حرباً مباشرة مع دولة أخرى، بل إن فصيلاً سياسياً يمتلك جناحاً عسكرياً أدخل لبنان في مواجهة عسكرية مع الكيان الإسرائيلي، إضافة إلى ذلك تعاني الدولة اللبنانية أصلاً انهياراً مالياً وأزمة اقتصادية عميقة منذ عام 2019، مما يجعل قدرتها على إدارة الاقتصاد بصورة مركزية شبه معدومة'، ولفت عمر إلى أن 'ما يمكن تسميته اقتصاد الحرب في لبنان هو من خلال سلوك الأسواق والمواطنين، وليس من خلال قرارات الدولة وسياساتها الاقتصادية'، متحدثاً، في الوقت عينه، عن القطاعات المستفيدة من الحرب، 'على رغم أن الحروب تضر بالاقتصاد عموماً، إلا أن بعض القطاعات ينشط نتيجة الظروف الجديدة. في مقدم هذه القطاعات تجارة السلع الأساسية والمواد الغذائية، إذ يميل المواطنون في أوقات الحروب والأزمات إلى تخزين المؤن والمواد الأساسية، فيزيد الطلب على المنتجات الغذائية ومواد الاستهلاك اليومي، مما تستفيد شركات تحويل الأموال والصرافة بسبب ازدياد التحويلات من الخارج، واعتماد الاقتصاد على الدولار النقدي. ومن القطاعات التي برزت أيضاً الاقتصاد الرقمي والعمل من بعد، حيث يعمل عدد متزايد من اللبنانيين مع شركات خارج البلاد، مما يوفر لهم دخلاً بالدولار يحميهم من تداعيات الحرب الاقتصادية'.
في المقابل يعتمد بعض القطاعات بصورة مباشرة على الاستقرار السياسي والأمني، وهي الأكثر تأثراً في ظل العمليات الحربية وحال انعدام الاستقرار. وتطرق عمر إلى القطاعات الخاسرة أو الأكثر تضرراً، و'يأتي في مقدمها قطاعا السياحة والطيران، إذ تؤدي أي مواجهة عسكرية إلى إلغاء الحجوزات وتراجع حركة السفر وارتفاع كلف التأمين، وستزداد خسائر هذا القطاع، بخاصة مع طول أمد الحرب وصولاً إلى الصيف والموسم السياحي المنتظر، ويتضرر القطاع الزراعي، لا سيما في الجنوب اللبناني والمناطق الحدودية في البقاع (شرق)، بسبب صعوبة وصول المالكين إلى الأراضي الزراعية أو بسبب تعرضها لأضرار بفعل القصف الهائل'، ولفت أيضاً إلى الخسائر التي يمكن أن تطاول القطاع الصناعي، فهو 'يواجه تحديات إضافية مثل ارتفاع كلفة النقل والطاقة وصعوبة التصدير، وضعف الطلب الخارجي والداخلي على منتجاته'.
أما على مستوى القطاع العقاري فهو يشهد حالاً من الجمود وفق عمر الذي نوه بأن 'المستثمرين عادة يؤجلون قراراتهم إلى حين اتضاح الصورة السياسية والأمنية'.
واستبعد الأستاذ الجامعي المتخصص في الدراسات الاقتصادية اختفاء السلع بالكامل من الأسواق اللبنانية على المدى القصير، لأن القطاع الخاص هو الذي يدير عملية الاستيراد والتوزيع، ولكن إذا طاولت فترة التصعيد العسكري في لبنان، فإن التأثير الاقتصادي سيتعمق تدريجاً، 'وقد يبدأ المواطنون بالشعور بضغوط أكبر على مستوى توفر بعض السلع وأسعارها'، وميز عمر بين فقدان كامل للسلع، وبين نقص موقت أو ارتفاع كبير في الأسعار، 'في حال طال أمد الحرب ستظهر مشكلات أخرى مثل تأخر وصول بعض البضائع بسبب اضطراب حركة الشحن البحري والجوي، أو بسبب ارتفاع كلف التأمين والنقل. أما التأثير الأبرز فسيكون بارتفاع الأسعار، إذ إن الكلف الإضافية في النقل والتأمين غالباً ما يتحمل عبئها المستهلك، وفي الحروب تظهر حالات تخزين أو احتكار بعض السلع، بهدف بيعها لاحقاً بأسعار أغلى وتحقيق أرباح أكبر، والمشكلة الأساسية التي سيواجهها المواطن ليست فقط في مدى توفر السلع، بل في القدرة على شرائها، إذ إن ارتفاع أسعار المحروقات والأدوية والمواد الغذائية الأساسية سيزيد الضغوط المعيشية على المواطنين الذين يعانون أصلاً تداعيات الأزمة المالية منذ عام 2019، ما يجعل معيشة المواطنين أكثر صعوبة'.











































































