اخبار لبنان
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
ثلاثون عاماً من الوجود السوري في لبنان تركت جروحاً سياسية وأمنية عميقة، وما زالت فكرة عودة أي دور عسكري سوري إلى الداخل اللبناني تثير مخاوف من تكرار السيناريو نفسه، وكأن التاريخ يلوّح بإعادة نفسه، وكأن الكابوس الذي عاشه لبنان طوال ثلاثة عقود لم يتحول بعد إلى فصل من الماضي، بل ما زال احتمالاً قائماً في الحاضر.
يحمل مسلسل 'المحافظة 15' في عنوانه شحنة سياسية كافية لفتح جرح ظلّ لسنوات طويلة خارج إطار الشاشة. عبارة 'المحافظة 15' يعرفها اللبنانيون جيداً، لكنها لم تصل يوماً إلى الدراما: فكرة أن لبنان هو المحافظة الخامسة عشرة في سوريا؛ عبارة لم تكن تُقال في الإعلام الرسمي، لكنها بقيت حاضرة في خطاب غير معلن بين الجنود وبعض السياسيين السوريين خلال سنوات الوجود العسكري لنظام الأسد في لبنان، وكأنها صيغة رمزية لتبرير هذه 'الوصاية/الاحتلال' التي بدأت عام 1976 واستمرت فعلياً حتى عام 2005، أي ما يقارب الثلاثين عاماً من النفوذ العسكري والسياسي والأمني الذي ترك أثراً عميقاً في تاريخ البلدين، وفي ذاكرة اللبنانيين تحديداً.
المفارقة أن هذه العبارة التي ترسخت في الوعي اللبناني، لم تكن واضحة بالقدر نفسه لدى كثر من السوريين. خارج لبنان لم تكن فكرة 'المحافظة 15' جزءاً من النقاش العام، ولم تصبح دلالتها السياسية أكثر وضوحاً إلا بعد عام 2011، حين تحولت الهجرة السورية الجماعية إلى لبنان إلى تجربة احتكاك مباشر مع مجتمع يحمل ذاكرة مختلفة تماماً عن تلك المرحلة.
هنا تحديداً تكمن الجرأة الأولى للمسلسل (تأليف كارين رزق الله، وإخراج سمير حبشي، وإنتاج مروى غروب)، التي تتجاوز مجرد اختيار العنوان نحو الذهاب خطوة أبعد عبر استخدام تعبير صريح مثل 'الاحتلال السوري للبنان'، الذي لطالما كانت حاضراً في الخطاب السياسي اللبناني لكنه بقي غائباً تقريباً عن الدراما التلفزيونية. وغالباً ما تُستدعى هذه العبارة اليوم أيضاً في خطاب عنصري يربط بين اللاجئين السوريين والنظام السوري، وكأن ملايين السوريين الذين هربوا من الحرب هم امتداد سياسي للنظام الذي فرّوا منه أصلاً.
سجن صيدنايا محرّكاً للأحداث
يبدأ المسلسل بمشهد له جذور في الواقع ودلالات رمزية عميقة: فتح سجن صيدنايا؛ اللحظة التي حاولت الدراما السورية هذا العام تجسيدها لكنها فشلت في التقاط حساسيتها في مسلسلات مثل 'سجون الشيطان'، بينما جُسِّدت – حتى الآن – بشكل أفضل في مسلسل لبناني، وهنا كانت أولى المفارقات.
في هذا المشهد يلتقي المشاهد بطلَي العمل: 'فؤاد' الذي يؤدي دوره يورغو شلهوب، وهو معتقل لبناني أمضى ثمانية وعشرين عاماً في سجن صيدنايا، و'خالد' الذي يؤدي دوره حسن خليل، معتقل سوري أمضى أربعة عشر عاماً في السجن نفسه. لكن الحرية هنا لا تبدو خلاصاً بقدر ما تبدو صدمة جديدة. فؤاد يخرج ليكتشف أن عائلته كلها ماتت، وهي كانت تعتقد أنه غرق في البحر، ولم تعرف يوماً أنه كان معتقلاً في سجون النظام السوري. أما خالد فيعود إلى منزله ليجد مكانه كومة من الحجارة، بينما أصبحت عائلته نازحة في لبنان ولا يملك أي فكرة عن مكان وجودها.
يحاول المسلسل هنا أن يلامس الأثر النفسي الطويل للاعتقال السياسي؛ فالمعتقلون الذين خرجوا من سجون مثل صيدنايا لا يعودون ببساطة إلى الحياة الطبيعية. الزمن بالنسبة إليهم توقف عند لحظة الاعتقال، بينما العالم في الخارج تغيّر بالكامل. يخافون من العتمة ومن المرايا، من الأصوات العالية ومن الضجيج المفاجئ. أجسادهم خرجت من السجن، لكن السجن لم يخرج منهم بعد. ومع ذلك، تبقى هذه الفكرة القوية غير مستثمَرة درامياً بالشكل الكافي، إذ لا تتحول دائماً إلى صراع درامي متماسك قادر على حمل ثقل الموضوع.











































































