اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٥ أذار ٢٠٢٦
تتزايد في الآونة الأخيرة المؤشرات التي تتحدث عن تحوّل في مقاربة الولايات المتحدة للملف الإيراني، من سياسة الاحتواء والعقوبات إلى مقاربة أكثر تعقيداً تقوم على دعم قوى معارضة داخلية يمكن أن تلعب دوراً في إعادة تشكيل التوازنات داخل إيران. ويأتي هذا التحول في سياق القراءة الأميركية لمجمل التطورات الإقليمية بعد الحرب في المنطقة، حيث باتت واشنطن تنظر إلى إيران ليس فقط كدولة منافسة، بل كنظام سياسي قابل للاهتزاز في حال تعرضت بنيته الأمنية المركزية لضغوط متراكمة من الداخل والخارج.
في هذا الإطار، برزت تصريحات للرئيس الأميركي Donald Trump تحدث فيها عن استعداد الولايات المتحدة لدعم الإيرانيين الذين يعارضون النظام، بما في ذلك تقديم المساعدة والتدريب للقوى التي تسعى إلى تغيير الواقع السياسي في البلاد. ورغم أن هذه التصريحات جاءت بصيغة عامة، إلا أن دوائر سياسية وإعلامية غربية قرأتها كإشارة إلى أن واشنطن بدأت بالفعل التفكير في بناء شبكة معارضة داخلية يمكن أن تتحول مع الوقت إلى عنصر ضغط حقيقي على الدولة الإيرانية.
هذا التوجه يرتبط، وفق تقديرات عدد من مراكز الدراسات الغربية، برؤية أوسع تتعامل مع إيران ككيان متعدد القوميات والإثنيات، وليس ككتلة متجانسة. فإيران تضم تركيبة سكانية معقدة تشمل الفرس الذين يشكلون غالبية نسبية، إلى جانب الأذريين في الشمال الغربي، والأكراد في المناطق الجبلية غرباً، والعرب في إقليم الأحواز الغني بالنفط جنوباً، والبلوش في الجنوب الشرقي، إضافة إلى التركمان في الشمال الشرقي. هذه الفسيفساء القومية، التي بقيت تحت السيطرة بفعل الدولة المركزية القوية والأجهزة الأمنية، تُنظر إليها في بعض الدوائر الاستراتيجية الغربية كعامل يمكن أن يتحول إلى عنصر تفكك في حال ضعف السلطة المركزية.
وفي هذا السياق تحديداً، بدأت تبرز معطيات تتحدث عن تحركات معارضة إيرانية خارج الحدود، خصوصاً في المناطق المحاذية لإيران. فقد تحدثت مصادر غربية عن نشاط ملحوظ لمجموعات معارضة تتمركز في شمال العراق، في إقليم كردستان، حيث تنشط فصائل كردية إيرانية معارضة منذ سنوات. وتشير تقارير متقاطعة إلى أن بعض هذه المجموعات بدأ بالفعل تعزيز حضوره العسكري والتنظيمي، وسط حديث عن دعم لوجستي وتدريب قد يُقدَّم لها في حال تطورت المواجهة مع طهران.
وتذهب بعض المصادر الأميركية والإسرائيلية إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن أن هذه التحركات قد تشكل نواة لمرحلة جديدة من الضغط على إيران من أطرافها الجغرافية، حيث يمكن للمعارضة أن تتحرك برياً عبر الحدود الجبلية الممتدة بين شمال العراق وغرب إيران، مستفيدة من الطبيعة الوعرة للمنطقة ومن الامتداد الاجتماعي الكردي عبر الحدود. مثل هذه التحركات، إن صحت، تعكس تصوراً استراتيجياً يقوم على فتح جبهات داخلية في مواجهة الدولة الإيرانية بدلاً من الاكتفاء بالمواجهة المباشرة.
هذا المسار يتقاطع مع التحليلات التي ترى أن أي اهتزاز كبير في بنية الدولة الأمنية في إيران قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً، من بينها بروز كيانات أو مناطق نفوذ محلية على أساس قومي أو إثني. ففي الجنوب الغربي، حيث يقع إقليم الأحواز الذي يضم الجزء الأكبر من الثروة النفطية الإيرانية، يمكن أن يظهر بعد عربي واضح لأي حراك سياسي أو أمني. وفي الشمال الغربي قد يلعب العامل الأذري دوراً مهماً بحكم الامتداد القومي مع أذربيجان. أما في الغرب والجنوب الشرقي، فإن الأكراد والبلوش يمتلكون تاريخاً طويلاً من التوتر مع السلطة المركزية.
ولعل ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو أن بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين إيرانيين تعكس إدراكاً واضحاً لحساسية هذا الملف. فقد شدد المسؤول الإيراني البارز علي لاريجاني في أكثر من مناسبة على أن إيران دولة موحدة ولن تسمح بأي سيناريو يؤدي إلى تقسيمها. غير أن مثل هذه التصريحات، وفق قراءة عدد من المراقبين، لا تأتي عادة من فراغ، بل تعكس في الغالب وجود نقاشات وضغوط حقيقية تدور في الكواليس حول مستقبل التوازنات الداخلية، خصوصاً عندما يتكرر الحديث في الأوساط الغربية عن توظيف البعد الإثني والقومي في الصراع مع طهران.
غير أنّ هذه السيناريوهات لم تعد تُقرأ فقط في إطار التحليلات والتقديرات الاستراتيجية، بل باتت تتقاطع مع مؤشرات ميدانية توحي بأن الداخل الإيراني يمرّ بمرحلة أكثر هشاشة مما كان عليه في السابق. فالدولة التي اعتمدت طويلاً على منظومة أمنية صارمة لضبط الشارع تبدو اليوم أقل قدرة على التحكم الكامل بالمشهد الداخلي، في ظل الضغوط الاقتصادية المتراكمة، واتساع فجوة الثقة بين السلطة وشرائح من المجتمع، إضافة إلى التحديات الأمنية التي تتوزع على أكثر من جبهة.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الأجهزة الأمنية والعسكرية الإيرانية ما زالت تحتفظ بقدرات كبيرة، إلا أن فعاليتها في السيطرة المطلقة على الداخل لم تعد كما كانت في مراحل سابقة، خصوصاً إذا ما ترافقت أي تحركات معارضة مع دعم سياسي أو إعلامي أو لوجستي من قوى غربية. فمثل هذا الدعم يمكن أن يمنح القوى المعارضة زخماً إضافياً، ويخلق دينامية داخلية يصعب احتواؤها بسرعة، لاسيما إذا تزامنت مع ضغوط خارجية أو اضطرابات اقتصادية واجتماعية.
ويضيف بعض المراقبين أن استهداف بنى إعلامية حساسة داخل إيران، مثل مقرات الإذاعة والتلفزيون الرسمية، قد لا يكون مجرد رسالة عسكرية أو سياسية عابرة، بل يمكن أن يندرج أيضاً في إطار محاولة إضعاف أدوات السيطرة الإعلامية للدولة وتشتيت جزء من قدراتها الأمنية، بما يمهّد لبيئة أكثر قابلية لتحركات معارضة داخلية. فالإعلام الرسمي يشكل أحد أعمدة السيطرة الرمزية للدولة، وضربه أو إضعافه قد يفتح المجال أمام روايات بديلة ويزيد من حالة الارتباك داخل المؤسسات الرسمية.
وبذلك، فإن أي تحرك معارض منظم ومدعوم خارجياً قد يضع الدولة الإيرانية أمام تحدٍّ مختلف عما واجهته في السابق، حيث لم تعد المسألة مجرد احتجاجات متفرقة يمكن احتواؤها أمنياً، بل احتمال تشكل حالة معارضة أكثر تماسكاً قادرة على استثمار لحظة الضعف النسبي في بنية السيطرة المركزية. وفي مثل هذا المناخ، قد تتوسع دائرة التوتر الداخلي، ما يجعل قدرة السلطة على ضبط الشارع موضع اختبار حقيقي في حال تزامنت التحركات الداخلية مع ضغوط سياسية وأمنية من الخارج.حتى ألآن لا يمكن الجزم بأن سيناريو تقسيم إيران بات وشيكاً، لكن المؤكد أن الحديث عنه لم يعد محصوراً في أروقة مراكز الدراسات فقط، بل بدأ يتقاطع مع معطيات ميدانية وتحركات سياسية متزايدة. وبين ضغوط الخارج وتعقيدات الداخل، تبدو إيران أمام مرحلة دقيقة قد تحدد شكل توازناتها الداخلية والإقليمية لسنوات طويلة مقبلة.











































































